الثلاثاء، 29 سبتمبر 2009

خواطر (2)

لازلت أتابع برنامج (خواطر5) و أنا أعض أصابعي غيضا مما بلغه اليابانيون من تحضر و ما نغرق فيه من وحل التخلف, و أرثي لحال معده و مقدمه "أحمد الشقيري" و الذي يبدو عليه الانقباض و التوتر حينما يقف على مقارنات أليمة و مخجلة لاحترام كرامة العباد هناك بكوكب اليابان و الدوس عليها و تحقيرها بكوكبنا..وفي الواقع أجده يتحمل مواقف لا يحسد عليها حينما يسأل اليابانيين أسئلة تبدو لهم بلا معنى فيردون باستغراب "لماذا تسأل؟ هل في بلدكم لا تحترمون الوقت؟ أو "هل عندكم ترمون الأزبال في الشارع؟"..فيحمر وجهه و يتلعثم لسانه و يبتسم حرجا.
لن أتحدث عما بلغته اليابان من تطور علمي و تكنولوجي, سأتحدث عن الأخلاق اليابانية, فما أثارني هو أنه كلما طرح سؤال على أي ياباني في أي مكان مهما كان عمره أو جنسه مثلا "لماذا تحترم عملك وتشتغل كثيرا؟" أو "لماذا لا ترمون بقايا الأكل في القمامة؟" أو "لماذا هذا الهوس في احترام المواعيد؟" يجيبون بفخر و تواضع "إنها الأخلاق اليابانية".. إنه فعلا جواب مؤثر..
تخيلوا معي أن تطرح نفس الأسئلة على المغاربة, فيجيبون جميعهم "إنها الأخلاق المغربية, تمغريبيت" أو "إنها الأخلاق الإسلامية" سيكون الأمر رائعا حقا.
حينما علمت أن حفنة من المفطرين اجتمعوا بمحطة القطار بالمحمدية للإفطار علنا, أول سؤال تبادر إلى دهني, لماذا لم يجتمعوا تنديدا بالزيادات المجحفة في تذكرة القطار, لو فعلوا لكان في الأمر خدمة لعموم المواطنين المتضررين من هاته الزيادة السريالية, لكنهم استيقظوا فجأة ولم يجدوا غير مشاعر إخوانهم و شعائرهم ليسيئوا لها و ينتهكوها.
تخيلوا معي شعبا كاملا يفكر مواطنوه في غيرهم قبل أنفسهم في تجسيد رائع لقيم المواطنة و الإيثار و التعاون و المؤازرة, كلما سُئل ياباني عن سلوك ما يرد دون تردد "كي لا أزعج الآخرين" أو "كي لا أسيء للآخرين" أو "كي يستعمله الآخرين", و الحلقة التي عنونها "الشقيري" فكر بغيرك مثال حي للتعايش و المودة و الرحمة و الاحترام الذي يميز اليابانيين الذين بنوا حضارتهم و مجدهم على مبدأ الأخلاق أولا و الاحترام و الانضباط.
أما نحن فنخلق الاستثناء بظاهرة شاذة خطيرة يجب أن ينكب على دراستها علماء النفس و الاجتماع, وهي أننا الشعب الوحيد الذي يشتم بأصله و بلده "مغاربة كيدايرين, على شعب كيداير, بوزبال, كحل الراس..." في احتقار لا مثيل له للهوية و الأصل و الانتماء, و في تعبير عن التذمر و السخط من سلوكات المغاربة المشينة و أللأخلاقية مع بعضهم البعض بكافة أعمارهم ومستوياتهم.
الجميل أيضا في "خواطر5" هو الاستدلال بأحاديث نبوية و آيات قرآنية و قيم إسلامية تجدها مجسدة في المجتمع الياباني غير المسلم, وتجدنا بعيدين عنها كل البعد نحن المحسوبين على أمة محمد.
من بينها مثلا قول الله تعالى "وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها" وقول الرسول صلى الله عليه وسلم "لا يبلغ العبد حقيقة الإيمان حتى يحب لأخيه ما يحبه لنفسه" و قوله "إماطة الأذى عن الطريق صدقة" و الكثير من القيم و الأخلاقيات التي نعرفها و نحفظها مع وقف التنفيذ.
حينما تشاهد بأم عينيك كيف أن اليابانيون يعملون من أجل اليابان,
يجتهدون و يتقنون و يتفانون و يبدعون و يطورون , وكيف يحرصون على العمل بصدق دون رقيب و كيف نحرص على الكسل و نحتال بشتى الطرق كي لا نعمل, نتحدث كثيرا و لا ننتج إلا القليل..
حينما تعلم أن الياباني يفكر بصحة و سلامة وهناء أخيه, فلا يزعجه بالتدخين في الأماكن العامة, ولا يقلقه برنات هاتفه النقال, حتى فضلات كلبه يحملها بنفسه في كيس خاص بذلك كي لا يدوسها الآخرين..
حينما تسمع أطفال طوكيو يتحدثون عن ضرورة الحفاظ على الطاقة و الكهرباء, وحماية البيئة و الطبيعة من الاحتباس الحراري تصاب بالدوار..وتتساءل دون خجل أو ندم : أنحن ننتمي لبني البشر؟
يتبع بشرى إيجورك جريدة المساء

ليست هناك تعليقات: