الجمعة، 28 أغسطس 2009

الباقيات الصالحات

أحيانا تبحث كثيرا و لا تجد شيئا, لأنك لا تفكر إلا فيما تبحث عنه ,حتى و إن كان أمرا تافها لا يستحق العناء..وقد تفوتك أشياء كثيرة و لا تستوقفك لمجرد أنك مشغول عنها رغم أنها ما يجب أن تنتبه له, وربما تعيش سنين طويلة تفتش عن سعادة ما تعتقدها هاربة منك في حين لا تبصرها و هي قربك تحوم حولك.
كلما حل شهر رمضان الكريم يتكرر نفس السيناريو, فقط أرقام السنة تتغير و العمر يقصر, نفس الكلام و نفس أسلوب الصيام و نفس الأجواء المسيئة لهذا الشهر الفضيل, تعج الأسواق بالخلق و ترتفع الأسعار, يحتج العباد لكنهم يهرعون لملء الموائد و البطون, يعلو الصياح في كل مكان كأن حالة طوارئ أعلنت بأرجاء البلد, يركض الناس في كل اتجاه كأنهم يعدون العدة لعدو جبار فيرتفع الصراخ و تكثر الصراعات و تبادل الشتائم حتى أصبح هذا الشهر المبارك مرتبطا بالشرور أكثر من الفضائل و أصبح لأهل الباطل مصطلح مشتق من رمضان "مرمضن" يعبرون به عن أمراضهم..
فأمراض الروح أقسى و أخطر من أمراض الجسد..
فيما الصيام ليس فقط الإمساك عن الأكل و الشرب و الشهوات من طلوع الفجر إلى غروبه, بل صيام عن كل الفواحش و ابتعاد عن المنكر و المصالحة مع الذات ومع الآخر, والتقرب إلى الله بالإحسان إلى النفس و الأهل و الناس, وفعل الخير و صلة الرحم و الإكثار من الاستغفار و الدعاء و الصلاة و قراءة القرآن و التعبد و الخشوع و التسامح و ضبط النفس. معظم الخلق لا يعرفوا عن فريضة الصيام سوى الجوع, لذلك ينتقمون ممن حولهم بمجرد افتقادهم لفناجين القهوة و علب السجائر فتراهم كقوافل ظمأى هائمين يفرغون غضبهم بكيل الشتائم و تسديد اللكمات.
فيكثر المنكر عوض أن يقل, وتعلو أجراس السيارات أكثر من صوت الآذان, وتظهر الشياطين عوض أن تختفي و كلها مظاهر ينبذها هذا الشهر الكريم و يحرمها ديننا الحنيف و لا تليق بنا و لا بصورة الإسلام التي تحتاج أكثر من أي وقت مضى لأن نحميها و نظهرها بما يليق بها.
فالصوم شُرّع كي يتجنب الناس الشرور و يرتدوا الفضيلة, كي يفكروا بالضعفاء و المحتاجين, كي يهدؤوا و يسكنوا لأنفسهم و يمارسوا شعائرهم بخشوع و قنوت, كي يفروا من الإثم و ينتبهوا لما أغفلوه من عبادات و مكارم و قد أنسى الناس حطام الدنيا من مال و مناصب و صراعات دينهم و كرامتهم و كبرياءهم و حريتهم و إنسانيتهم.
أستقبل هذا الشهر الفضيل بمراسيم فرح استثنائية, و يغلف بدني إحساس بهي بمجرد أن يطرق الأبواب, لا أنظر إليه كزائر ثقيل بل أفتح له كل المداخل و أسعد به و برائحته و جوه الروحاني وأدير ظهري لكل ما يمكن أن يفسد صيامي أو يعكر صفو فرحتي و سكوني و قد وضعت نصب عيني تلك الباقيات الصالحات التي تبعث السعادة بالروح و تهدئ النفس و تغنيك بفضل الله عمن سواه.
لكل المرضى أتمناه شهرا مباركا, لكل المغتربين, لكل الأبرياء في السجون, لكل المنسيين..
لكل من يصوم و هو يعمل تحت شمس حارقة تلهب رأسه ووجهه, لكل من يفطر وحيدا, لكل من يفطر على رصيف الحاجة, لكل من يؤذن لصلاة الفجر..لكل من يعطي مما لديه..أتمناه شهرا مختلفا يتصرف فيه العباد كما يجب, بروية و مودة و حب و احترام و كرم حتى نكون فعلا خير أمة أخرجت للناس, فنحن أبعد من ذلك بكثير قولا و فعلا و عملا و صياما.

ليست هناك تعليقات: