يروق لي متابعة البرامج الحوارية التي تستضيف الوزراء, لأنني أجد فيها من الفرجة و الهزل ما لا أجده في الأعمال المخصصة لبث الفرحة في القلوب, وأجد من الدراما ما لا أجده في كل تلك المسلسلات المكسيكية و الكورية و الهندية و التركية و البرازيلية التي تتحفنا بها القناتين..
ولو أن باحثين مغاربة في علم النفس و الاجتماع أنجزوا بحثا علميا مدققا حول تصريحات الوزراء, وحللوها و فككوا رموزها و ألغازها و شفراتها, لاستطعنا أن نكتشف سبب الداء و نجد الدواء, ولو أنهم راقبوا تحركاتهم و سلوكاتهم و ضحكاتهم و احمرار أذنيهم و تلعثمهم و "دخولهم و خروجهم فالهضرة" لتوصلنا إلى نتائج ربما تفيدنا في فهم المراكز المتأخرة التي يحتلها بلدنا دائما في التعليم و الصحة و التدبير و الأمن و القضاء و الأسرة.
أعتقد أن بحثا علميا و نفسيا كهذا سيكون مفيدا جدا, ومفاجئا و مبهرا لما سيحمله من اكتشافات ربما يكون لنا السبق عالميا – ولو لمرة واحدة- في إنجاز دراسة مهمة تخدم الإنسانية, تهم وزراء استثنائيين يتكلموا ساعات دون أن تخرج بشيء..
يقدموا تصريحات دون أن يقولوا شيء, يغيروا مواقفهم كما يغيروا جواربهم دون أن يحدث شيء..
تتغير ملامحهم بتغير رواتبهم و ينُطّون و يقفزون بين يمين و يسار, أغلبية و معارضة و كتلة, لا هم محافظون و لا هم حداثيون..
شخصيات بلا ملامح و لا مواقف و لا أفكار و لا قيم, لذلك تبدو مضحكة لأن السخرية أساسها الدراما. ولمن يتساءلون لم أعمالنا الفنية لا تُضحك فلأن الموقف المضحك يُبنى على وضعية محزنة و مؤسفة بالأساس, أي أننا نضحك من موقف لا يُحسد عليه صاحبه, لذلك برامجنا الحوارية التي تستضيف الوزراء ورؤساء الأحزاب تنتزع الضحك دون عناء أكثر من برنامج "كوميديا" المخصص لهذا الغرض.
أحيانا أتساءل إن كانوا يعيشون في كوب آخر لا نعرفه, يتحدثون لغة أخرى لا نفهمها..فكلما صادفت أحدهم يخطب و يصرّح أركز حواسي كلها لأفهم ما يقول و أعجز عن تكوين فكرة أو الخروج بمعلومة, كأنهم تخرجوا من نفس المدرسة, أو درسوا مادة قوامها "كيف تتحدث دون أن تقول شيئا" أو ببساطة يتعمّدون استفزازنا و رفع الضغط بأوردتنا.
مقارنة بسيطة ساذجة بين ردود و تصريحات وزرائنا و أسلوبهم في النقاش و الخطاب و التحاور و بين زملائهم الأوروبيين ستكشف لنا بوضوح حجم الفاجعة..
لذلك ألتمس من الدكاترة المختصين أن ينكبوا على هذه الظاهرة بالبحث و الدراسة و فحص "المصابين" قبل فوات الأوان.
فلكل داء دواء.
أكبر تجمع لمحبي ومعجبي مبدعة السينما المغربية الفنانة بشرى إيجورك على الانترنيت
الأحد، 21 فبراير 2010
إنتاج المعنى
تبدو الحياة رتيبة قاسية إن لم يكن لوجودنا معنى و لعطائنا قيمة, تبدو كعبء متوارث يبدأ خفيفا و ينتهي ثِقلا مضاعفا تحمله على ظهرك فتنحني من وطأة الأيام و عناد السنين.
هكذا نعيش مستسلمين للزمان إن أعطانا نفرح, وإن سلَب منا نغضب و نيأس و نكتئب وهكذا.. نركض طويلا لنصل و حينما تظهر بوادر أمل نكون قد بلغنا خط النهاية لنرتاح و ننام تلك النومة الأبدية حيث يصمت كل شيء و يركن و يهدأ.
فتمر حياتنا قصيرة في العطاء طويلة في الألم و التذمر و الشكوى, والبحث عن سعادة ما مركونة في زاوية, مدفونة بين أغراضنا و أحلامنا و ذكرياتنا, لأننا نحيا خاضعين و لا نعيش مُتحَدّين, صامدين و طموحين, نتذوق الحياة بأمل و نسبقها لنسحبها حيث أردنا لا نتأخر و نتعثر لتجذبنا حيث أرادت, نكاية بالقدر و مفاجآته السارة و المحزنة, المفاجئة و المنتظرة, المتوقعة و الصادمة.
هكذا فقط نُنتِج المعنى, لنصبح فاعلين نخدُم مجتمعنا و نؤسس حياتنا و نستغل وقتنا, و نبني بلدنا و نعيش بكرامة. نٌنتج المعنى في كل تصرفاتنا و سلوكاتنا, في دراستنا و علمنا, في حديثنا..
في تربيتنا لأطفالنا, في حبنا, في حزننا..في عبادتنا.
حينما تبتعد عن نفسك و عن الناس, و عن فوضى الجسد و ثرثرة اللسان تخرج من جسدك و تختلس النظر للحياة من بعيد, تحزن لما ينتجه العباد من خراب و يأس و قتل و صراع و حمى الأموال و الكسب الحرام, و تصدم لما يقع للطبيعة من تدمير و وأد للكائنات و للمستقبل و الحياة,وتلمح نفسك بأسى و أنت تنتج العبث و الضياع و تبذر وقتك و عمرك في التفاهات و في الأحاديث الجانبية و جلسات اللغو, وفي أحاسيس مرضية يختزلها الحسد و الغيرة و الكذب و الادعاء.
ما الذي ننتجه من معاني؟ طرقاتنا ساحة حرب مفتوحة نعد قتلانا و جرحانا منذ زمن, دون أن نستطيع وقف المعركة و سفك الدماء, ونجلس على كرسي القيادة نسوق بمعاني الرقي و التسامح و احترام الروح التي كرمها الخالق.
أي معاني نزرعها في أطفالنا كل لحظة, كي يحملوا الكتب و يقرؤوا و يتعلموا و يكبروا عقلا و قلبا وروحا..وليس جسدا ورغبات فقط.
أي معنى ينتجه إعلامنا, سياسيونا, أحزابنا, أساتذتنا, وزراؤنا, مثقفينا و رياضيينا, فقهاؤنا..لنرتقي و نبلغ إنسانيتنا و نكون مؤسسين و مدافعين عن قيمنا و ثقافتنا و حضارتنا و عن وحدتنا.
وهل ننتج أصلا أفكارا بمعنى, و سلوكات بمعنى, و مخططات بمعنى..أم نتلقف فقط ما ينتجه غيرنا و نعيش على بقايا أفكارهم و معتقداتهم كأننا بلا عقل و لا مواهب نستهلك ولا ننتج, نخضع و لا نحكم..نساق و لا نقود.
رقي المجتمعات يقاس بما ينتجه أفرادها من معنى في كل مجالات الحياة, في أبسط تفاصيلها و أقوى تعقيداتها, فيما يقدمه الفرد لأسرته و لمجتمعه و لبلده و لنفسه, في عطائه القوي و المتجدد و ليس في مكاسبه الضيقة و انتصاراته الوهمية و سلوكاته الدنيئة بدءا بالكسل و الخنوع و انتهاء بالرشوة و التزوير و الاختلاس.
لذلك يحق لنا أن نسائل أنفسنا, كل من موقعه..هل حقا ننتج المعنى و إن كان الجواب "طبعا" لا, فلنجعله سؤالا يؤرقنا و يستفزنا و يلهبنا و يقلق سكوننا, فالتغيير يبدأ دوما بطرح الأسئلة.
هكذا نعيش مستسلمين للزمان إن أعطانا نفرح, وإن سلَب منا نغضب و نيأس و نكتئب وهكذا.. نركض طويلا لنصل و حينما تظهر بوادر أمل نكون قد بلغنا خط النهاية لنرتاح و ننام تلك النومة الأبدية حيث يصمت كل شيء و يركن و يهدأ.
فتمر حياتنا قصيرة في العطاء طويلة في الألم و التذمر و الشكوى, والبحث عن سعادة ما مركونة في زاوية, مدفونة بين أغراضنا و أحلامنا و ذكرياتنا, لأننا نحيا خاضعين و لا نعيش مُتحَدّين, صامدين و طموحين, نتذوق الحياة بأمل و نسبقها لنسحبها حيث أردنا لا نتأخر و نتعثر لتجذبنا حيث أرادت, نكاية بالقدر و مفاجآته السارة و المحزنة, المفاجئة و المنتظرة, المتوقعة و الصادمة.
هكذا فقط نُنتِج المعنى, لنصبح فاعلين نخدُم مجتمعنا و نؤسس حياتنا و نستغل وقتنا, و نبني بلدنا و نعيش بكرامة. نٌنتج المعنى في كل تصرفاتنا و سلوكاتنا, في دراستنا و علمنا, في حديثنا..
في تربيتنا لأطفالنا, في حبنا, في حزننا..في عبادتنا.
حينما تبتعد عن نفسك و عن الناس, و عن فوضى الجسد و ثرثرة اللسان تخرج من جسدك و تختلس النظر للحياة من بعيد, تحزن لما ينتجه العباد من خراب و يأس و قتل و صراع و حمى الأموال و الكسب الحرام, و تصدم لما يقع للطبيعة من تدمير و وأد للكائنات و للمستقبل و الحياة,وتلمح نفسك بأسى و أنت تنتج العبث و الضياع و تبذر وقتك و عمرك في التفاهات و في الأحاديث الجانبية و جلسات اللغو, وفي أحاسيس مرضية يختزلها الحسد و الغيرة و الكذب و الادعاء.
ما الذي ننتجه من معاني؟ طرقاتنا ساحة حرب مفتوحة نعد قتلانا و جرحانا منذ زمن, دون أن نستطيع وقف المعركة و سفك الدماء, ونجلس على كرسي القيادة نسوق بمعاني الرقي و التسامح و احترام الروح التي كرمها الخالق.
أي معاني نزرعها في أطفالنا كل لحظة, كي يحملوا الكتب و يقرؤوا و يتعلموا و يكبروا عقلا و قلبا وروحا..وليس جسدا ورغبات فقط.
أي معنى ينتجه إعلامنا, سياسيونا, أحزابنا, أساتذتنا, وزراؤنا, مثقفينا و رياضيينا, فقهاؤنا..لنرتقي و نبلغ إنسانيتنا و نكون مؤسسين و مدافعين عن قيمنا و ثقافتنا و حضارتنا و عن وحدتنا.
وهل ننتج أصلا أفكارا بمعنى, و سلوكات بمعنى, و مخططات بمعنى..أم نتلقف فقط ما ينتجه غيرنا و نعيش على بقايا أفكارهم و معتقداتهم كأننا بلا عقل و لا مواهب نستهلك ولا ننتج, نخضع و لا نحكم..نساق و لا نقود.
رقي المجتمعات يقاس بما ينتجه أفرادها من معنى في كل مجالات الحياة, في أبسط تفاصيلها و أقوى تعقيداتها, فيما يقدمه الفرد لأسرته و لمجتمعه و لبلده و لنفسه, في عطائه القوي و المتجدد و ليس في مكاسبه الضيقة و انتصاراته الوهمية و سلوكاته الدنيئة بدءا بالكسل و الخنوع و انتهاء بالرشوة و التزوير و الاختلاس.
لذلك يحق لنا أن نسائل أنفسنا, كل من موقعه..هل حقا ننتج المعنى و إن كان الجواب "طبعا" لا, فلنجعله سؤالا يؤرقنا و يستفزنا و يلهبنا و يقلق سكوننا, فالتغيير يبدأ دوما بطرح الأسئلة.
الثلاثاء، 9 فبراير 2010
و بَعْدي الطّوفان
لقد عشنا في زمن كان كل شيء بخير، سياسة «كولو العام زين» التي أُجْبرنا على اتباعها لسنين، نضع رؤوسنا وسط الرمال كنعامة خائفة، فيما عيوبنا ظاهرة للعيان..كل شيء كان على ما يرام حتى أن المرء كان يخشى أن يفتح فاه ليتثاءب كي لا يظنوه سيصرخ ويُلفّقوا له تهمة الاحتجاج، كان الناس يخْشَون ظلهم خوفا من أن يكون مخبر ما يلاحقهم كما روى لنا «بزيز» في أحد أعماله الساخرة التي كنا نقتنيها في صمت ونستمتع بها في الكتمان.
مرت سنين أليمة كان الرأي الحق والكلمة الصادقة يقودان إلى الزنازن والاختطاف والاختفاء القصري، وحل عهد آخر لنقترح طيّ صفحة الماضي ونُقرر الاستماع ونُعلن المصالحة.
الغريب أن هناك من لم ينس، أو يرفض أن ينسى..فقد تغيرت أشياء كثيرة من حولنا ولازلنا نسمع نفس الشعارات، ونفس التبعية والخوف من إبداء الرأي لأجل الإصلاح والتغيير والبناء، أصبح هناك منطق آخر يحكم العلاقات وهو المصالح الشخصية والمكاسب الفردية و«أنا..وبعدي الطوفان».
لقد ناضل الإعلاميون والصحفيون كي تنفصل الداخلية عن الإعلام.. انفصلت..
ناضلوا من أجل نقل جلسات البرلمان مباشرة على التلفاز.. ونقلت..
ناضلوا من أجل برامج حوارية مباشرة.. وتحققت..
ناضلوا من أجل صحافة حرة مستقلة.. وصدرت..
لكن المثير للتساؤل هو أن يصبح من دافعوا بالأمس عن الحريات هم من يخنقونها اليوم، من انتقدوا سياسة «كولو العام زين» البارحة هم من يرددونها اليوم، أصبحت المصالح الفردية من يحرك العباد، وأصبح الاحتجاج ليس لأجل المصلحة العامة ومصلحة البلاد، بل سياسة جديدة لكسب المناصب بليّ الذراع، كما يبكي الطفل ويرتمي أرضا ويصرخ ويضرب ليحصل على ما يريد، أو بالانحناء والتملق والاستجداء لنيل الرضا والبركات، فيما لا نستطيع أن نخطو إلى الأمام إلا بالنقد والتوجيه والحوار والاستشارة والاستماع لنبض الشارع من طرف كل المسؤولين كل حسب منصبه دون عُقَد أو صراعات أو حسابات خاصة أو حساسية مفتعلة.
كل المدراء والوزراء والقياديين يحتاجون لرأي يسائلهم ويصارحهم ويوجههم ويختلف معهم حبا في البناء لا الهدم، هكذا فقط نتطور ويتحسن أداؤنا ونتجاوز هفواتنا، أما التصفيق والزغاريد والتضليل فأساليب مضت وانقرضت بانقراض السلاطين وقصائد المدح والاسترزاق.
انتهى ذلك الزمان، لكنه لازال ممتدا في شرايين من تعودوا أن يكونوا قنطرة يعبر منها غيرهم بمقابل، من تعودوا أن يكونوا لسانا بصوت غيرهم، قلما بكلمات رؤسائهم، وكل شيء بثمن.
والمفارقة الجارحة أن بعض المدراء والوزراء يقبلون النقد والنقاش ويتحدثون عن النجاحات والإخفاقات ويستمعون لردود الأفعال بكل موضوعية دون لوم أو حقد أو ثناء أفضل ممن يتحدثون باسمهم ليجاملوهم إلى حين.
فهي سلوكات موسمية ومشاعر تتغير لأن «دْوَام الحال من المُحال»، والحقائق تطفوا مهما ظلت مخنوقة في الأسفل.
مرت سنين أليمة كان الرأي الحق والكلمة الصادقة يقودان إلى الزنازن والاختطاف والاختفاء القصري، وحل عهد آخر لنقترح طيّ صفحة الماضي ونُقرر الاستماع ونُعلن المصالحة.
الغريب أن هناك من لم ينس، أو يرفض أن ينسى..فقد تغيرت أشياء كثيرة من حولنا ولازلنا نسمع نفس الشعارات، ونفس التبعية والخوف من إبداء الرأي لأجل الإصلاح والتغيير والبناء، أصبح هناك منطق آخر يحكم العلاقات وهو المصالح الشخصية والمكاسب الفردية و«أنا..وبعدي الطوفان».
لقد ناضل الإعلاميون والصحفيون كي تنفصل الداخلية عن الإعلام.. انفصلت..
ناضلوا من أجل نقل جلسات البرلمان مباشرة على التلفاز.. ونقلت..
ناضلوا من أجل برامج حوارية مباشرة.. وتحققت..
ناضلوا من أجل صحافة حرة مستقلة.. وصدرت..
لكن المثير للتساؤل هو أن يصبح من دافعوا بالأمس عن الحريات هم من يخنقونها اليوم، من انتقدوا سياسة «كولو العام زين» البارحة هم من يرددونها اليوم، أصبحت المصالح الفردية من يحرك العباد، وأصبح الاحتجاج ليس لأجل المصلحة العامة ومصلحة البلاد، بل سياسة جديدة لكسب المناصب بليّ الذراع، كما يبكي الطفل ويرتمي أرضا ويصرخ ويضرب ليحصل على ما يريد، أو بالانحناء والتملق والاستجداء لنيل الرضا والبركات، فيما لا نستطيع أن نخطو إلى الأمام إلا بالنقد والتوجيه والحوار والاستشارة والاستماع لنبض الشارع من طرف كل المسؤولين كل حسب منصبه دون عُقَد أو صراعات أو حسابات خاصة أو حساسية مفتعلة.
كل المدراء والوزراء والقياديين يحتاجون لرأي يسائلهم ويصارحهم ويوجههم ويختلف معهم حبا في البناء لا الهدم، هكذا فقط نتطور ويتحسن أداؤنا ونتجاوز هفواتنا، أما التصفيق والزغاريد والتضليل فأساليب مضت وانقرضت بانقراض السلاطين وقصائد المدح والاسترزاق.
انتهى ذلك الزمان، لكنه لازال ممتدا في شرايين من تعودوا أن يكونوا قنطرة يعبر منها غيرهم بمقابل، من تعودوا أن يكونوا لسانا بصوت غيرهم، قلما بكلمات رؤسائهم، وكل شيء بثمن.
والمفارقة الجارحة أن بعض المدراء والوزراء يقبلون النقد والنقاش ويتحدثون عن النجاحات والإخفاقات ويستمعون لردود الأفعال بكل موضوعية دون لوم أو حقد أو ثناء أفضل ممن يتحدثون باسمهم ليجاملوهم إلى حين.
فهي سلوكات موسمية ومشاعر تتغير لأن «دْوَام الحال من المُحال»، والحقائق تطفوا مهما ظلت مخنوقة في الأسفل.
خدمة بلون السواد
هناك خدمات كثيرة رائعة نكتشفها غالبا حينما نزور دولا تحترم مواطنيها، ونجدها عمَليّة وسهلة ومريحة أيضا، وفي نفس الوقت مربحة لأصحابها لأنها تجلب الاهتمام وتجعل الناس يستفيدون منها ويُقبلون عليها رغم القيمة المادية الإضافية التي يدفعها الزبناء ثمنا لها.
هذه الخدمات الناجحة غالبا ما نستنسخها ونقترحها على المغاربة، لكننا نفعل ذلك دائما، للأسف، بشكل سيء وبصورة قبيحة لا تمت إلى الأصل بصلة.
ولعل تجربة «الطاكسي الأخضر» خير دليل على ما يمكن أن تؤول إليه «خدمات القرب» الناجحة في عواصم كبرى، كنيويورك ودبي وباريس وبيروت، حينما تصل إلى الدار البيضاء.
فشتان بين سيارات دبي ونيويورك الصفراء وبين سيارات الدار البيضاء الحمراء التي تحمل اسما أخضر لكن خدماتها بلون السواد.. سائق عابس ومتجهم وسيارة أجرة برائحة عفنة وأبواب متهالكة وتأخير قد يصل إلى 45 دقيقة.
الفرق بين مثل هذه الخدمات في الخارج ونظيرتها هنا بالبلد أنهم هناك يحترمون الزبون لأنهم يعتبرونه «ملكا»، يحافظون على راحته ويسعون إلى نيل رضاه ويقدمون إليه خدمة في مستوى الثقة التي منحهم إياها باختياره لخدماتهم وتقديمه ثمنا مقابلها، أما عندنا فالزبون فريسة، لا يهم رضاه أو راحته، بل المثير للسخرية أنك تدفع ثمن الخدمة لتنتظر طويلا وتهان ويرتفع ضغطك وتضطر إلى تحمل سائق عكر المزاج، منفعل ومتوتر.. يسُبّ الطريق والمطر والحفر، وضمنيا يسبك أنت أيضا، لذلك ينتابك إحساس بالخطر والريبة وتنهار الثقة والشراكة الرمزية بينك وبين أصحاب الخدمة.
في حين أن الفكرة جيدة وتحقيقها ممكن لوتم اختيار السائقين وسيارات الأجرة وفق معايير الجودة والاحترام والمسؤولية، ولم لا إخضاع العاملين للتكوين في أساليب التعامل والحديث واحترام الوقت والمواعيد، فهذا ليس مشروعا يدر الأرباح فقط، بل واجهة للبلد وخدمة تتعلق بقطاع شائك وحيوي وحساس يعطي صورة عن المكان وأهله.
وباستثناء سائقين محترمين يشكلون الأقلية، يتعاملون برقي ويشرّفون مهنة السياقة، فإن عينة السائقين التي سبق الحديث عنها تشكل للأسف السواد الغالب، لذلك تجب مراقبة مثل هذه الخدمات وتقنينها، وحماية المواطنين من الإساءة والاستغلال. وأعتقد أن أول ما يجب القيام به هو التشدد في اختيار السائقين الذين سيتكلفون بتقديم هذه الخدمة، ثم توسيع مكتب استقبال المكالمات كي لا ينتظر العباد طويلا، وطبعا وضع رقم خاص لتقديم الشكايات واستقبال الردود والتوضيحات.
غالبا ما نقتفي آثار غيرنا باستيراد مشاريع وأفكار هامة، لكننا نتمسك فقط بالشكل، أما المضمون والغاية والعمق فلا يهم، مادام هناك ربح فكل شيء متاح.
هذه الخدمات الناجحة غالبا ما نستنسخها ونقترحها على المغاربة، لكننا نفعل ذلك دائما، للأسف، بشكل سيء وبصورة قبيحة لا تمت إلى الأصل بصلة.
ولعل تجربة «الطاكسي الأخضر» خير دليل على ما يمكن أن تؤول إليه «خدمات القرب» الناجحة في عواصم كبرى، كنيويورك ودبي وباريس وبيروت، حينما تصل إلى الدار البيضاء.
فشتان بين سيارات دبي ونيويورك الصفراء وبين سيارات الدار البيضاء الحمراء التي تحمل اسما أخضر لكن خدماتها بلون السواد.. سائق عابس ومتجهم وسيارة أجرة برائحة عفنة وأبواب متهالكة وتأخير قد يصل إلى 45 دقيقة.
الفرق بين مثل هذه الخدمات في الخارج ونظيرتها هنا بالبلد أنهم هناك يحترمون الزبون لأنهم يعتبرونه «ملكا»، يحافظون على راحته ويسعون إلى نيل رضاه ويقدمون إليه خدمة في مستوى الثقة التي منحهم إياها باختياره لخدماتهم وتقديمه ثمنا مقابلها، أما عندنا فالزبون فريسة، لا يهم رضاه أو راحته، بل المثير للسخرية أنك تدفع ثمن الخدمة لتنتظر طويلا وتهان ويرتفع ضغطك وتضطر إلى تحمل سائق عكر المزاج، منفعل ومتوتر.. يسُبّ الطريق والمطر والحفر، وضمنيا يسبك أنت أيضا، لذلك ينتابك إحساس بالخطر والريبة وتنهار الثقة والشراكة الرمزية بينك وبين أصحاب الخدمة.
في حين أن الفكرة جيدة وتحقيقها ممكن لوتم اختيار السائقين وسيارات الأجرة وفق معايير الجودة والاحترام والمسؤولية، ولم لا إخضاع العاملين للتكوين في أساليب التعامل والحديث واحترام الوقت والمواعيد، فهذا ليس مشروعا يدر الأرباح فقط، بل واجهة للبلد وخدمة تتعلق بقطاع شائك وحيوي وحساس يعطي صورة عن المكان وأهله.
وباستثناء سائقين محترمين يشكلون الأقلية، يتعاملون برقي ويشرّفون مهنة السياقة، فإن عينة السائقين التي سبق الحديث عنها تشكل للأسف السواد الغالب، لذلك تجب مراقبة مثل هذه الخدمات وتقنينها، وحماية المواطنين من الإساءة والاستغلال. وأعتقد أن أول ما يجب القيام به هو التشدد في اختيار السائقين الذين سيتكلفون بتقديم هذه الخدمة، ثم توسيع مكتب استقبال المكالمات كي لا ينتظر العباد طويلا، وطبعا وضع رقم خاص لتقديم الشكايات واستقبال الردود والتوضيحات.
غالبا ما نقتفي آثار غيرنا باستيراد مشاريع وأفكار هامة، لكننا نتمسك فقط بالشكل، أما المضمون والغاية والعمق فلا يهم، مادام هناك ربح فكل شيء متاح.
أرفض أن أنساه
أعلم ما تحسه دون سؤال، فلا شيء يكسر روح الوطن أكثر من الغدر..أعرف معنى حزن وطن، أن يكون محموما بسبب جراح خفية وأخرى بادية، مر طعم الحزن ومزعجة تلك الهزات «الدبلوماسية» التي ضربت أوصالك وجعلتك تنتفض بقوة لتدافع عن حروفك ولغاتك وانتمائك وكل شبر من ترابك، عن حقك في أن يعلو صوتك بالحق..
فلا تصمت مهما أجبروك على الانصياع..
ولا تتراجع مهما سحبوك إلى الخلف..
ولا تتردد مهما تلاعبوا باسمك وروحك وعلمك، مهما اقتطعوك كحلوى يتسابق الصغار نحوها ليجتثوها، كل يأخذ نصيبه، ليهنأ العباد بما سلبوك إياه من كرامة وحرية ومجد وهوية.
أن تسلب هويتك كأن تجرد من ملابسك غصبا.. لا فرق
ونحن لا نفتقر إلى شيء، لكننا نضيع كل شيء..
وطني، هل أنت بخير؟
يقولون لا تبْك، لا تصرخ، لا تنتحب.. ويتمادون في ضربك ووخزك وزرع الخوف في جنباتك، فما تزيدك قسوتهم إلا شموخا وعزة وكبرياء، تأبى أن تنحني أو تستسلم ليظل صوتك القوي وصوتهم المرتجف.. أولئك الذين يعتقدون أن الوطنية مهنة براتب شهري، زي عسكري وليس مدنيا، منصب وزاري أو إداري..أولئك الذين لا يتذكرونك إلا في مناسبات عابرة تمر كمأتم لا ترقى احتفالاتها إلى صمودك ونضالك وقصة تحريرك.
لا ترقى إلى أسماء مجاهدين أنت أنجبتهم، لمقاومين إن عادوا بكوا جراحك وطلبوا منك العفو وتحاشوا النظر في عينيك.
حب الوطن ثورة للحواس تجتاحك كل لحظة، تهزك وتحركك وتوقظ قلبك وتبعث الدم في شرايينك.
الوطن قشعريرة تغلف بدنك، قلب يخفق بطريقة مختلفة حبا للبلد ورائحته وأهله.. حب دائم.. حب نابض..
حب لا تنتظر مقابله جزاء، عطاء دائم دون منّ..
رعشة باردة تعبر جسدك..
الوطن نحن.. حريته من حريتنا وكرامته من كرامتنا وشموخه من شموخنا.. الوطن أعراضنا، وللعرض معنى في لغتنا لا تجده في لغة أخرى.
فلتأذن لي وطني أن أعترف لك بأخطائنا وأطلب منك العفو، فلن نجرحك وننسحب كلنا دون أن نلتفت، دون أن نسأل عن حالك، أو نضمد جراحك المفتوحة على الملأ.
فلتأذن لي، لأنني أرفض أن أنساك وأتركك خلفي، لأنك بداخلي تحيا وأنا أحيا فيك.
لأنني تعلمت منذ زمن معنى أن تكون ابن هذا البلد، وأجبت منذ سنين «أن تكون مغربيا معناه أن تنبض كل خلايا جسدك عشقا لرائحة البلد ودياره، أن تحافظ على أمنه وهدوئه وسكون ليله، تعاتبه ولا تخاصمه، تنتقده ولا تجرحه، تثور عليه ولا تطعنه، تسكن غيره ولا تنساه»..
الوطن فقط لا يتركنا حتى لو هجرناه..
لا ينسانا حتى لو تجاهلناه..
لا يتنكر لنا حتى لو استبدلناه بغيره..
لا يحقد علينا حتى لو خناه..
ينتظرنا مهما غبنا، يسامحنا مهما أخطأنا..
يحضننا مهما تمادينا في العقوق، وما أقسى عقوق الوطن..
ما أقساه.
فلا تصمت مهما أجبروك على الانصياع..
ولا تتراجع مهما سحبوك إلى الخلف..
ولا تتردد مهما تلاعبوا باسمك وروحك وعلمك، مهما اقتطعوك كحلوى يتسابق الصغار نحوها ليجتثوها، كل يأخذ نصيبه، ليهنأ العباد بما سلبوك إياه من كرامة وحرية ومجد وهوية.
أن تسلب هويتك كأن تجرد من ملابسك غصبا.. لا فرق
ونحن لا نفتقر إلى شيء، لكننا نضيع كل شيء..
وطني، هل أنت بخير؟
يقولون لا تبْك، لا تصرخ، لا تنتحب.. ويتمادون في ضربك ووخزك وزرع الخوف في جنباتك، فما تزيدك قسوتهم إلا شموخا وعزة وكبرياء، تأبى أن تنحني أو تستسلم ليظل صوتك القوي وصوتهم المرتجف.. أولئك الذين يعتقدون أن الوطنية مهنة براتب شهري، زي عسكري وليس مدنيا، منصب وزاري أو إداري..أولئك الذين لا يتذكرونك إلا في مناسبات عابرة تمر كمأتم لا ترقى احتفالاتها إلى صمودك ونضالك وقصة تحريرك.
لا ترقى إلى أسماء مجاهدين أنت أنجبتهم، لمقاومين إن عادوا بكوا جراحك وطلبوا منك العفو وتحاشوا النظر في عينيك.
حب الوطن ثورة للحواس تجتاحك كل لحظة، تهزك وتحركك وتوقظ قلبك وتبعث الدم في شرايينك.
الوطن قشعريرة تغلف بدنك، قلب يخفق بطريقة مختلفة حبا للبلد ورائحته وأهله.. حب دائم.. حب نابض..
حب لا تنتظر مقابله جزاء، عطاء دائم دون منّ..
رعشة باردة تعبر جسدك..
الوطن نحن.. حريته من حريتنا وكرامته من كرامتنا وشموخه من شموخنا.. الوطن أعراضنا، وللعرض معنى في لغتنا لا تجده في لغة أخرى.
فلتأذن لي وطني أن أعترف لك بأخطائنا وأطلب منك العفو، فلن نجرحك وننسحب كلنا دون أن نلتفت، دون أن نسأل عن حالك، أو نضمد جراحك المفتوحة على الملأ.
فلتأذن لي، لأنني أرفض أن أنساك وأتركك خلفي، لأنك بداخلي تحيا وأنا أحيا فيك.
لأنني تعلمت منذ زمن معنى أن تكون ابن هذا البلد، وأجبت منذ سنين «أن تكون مغربيا معناه أن تنبض كل خلايا جسدك عشقا لرائحة البلد ودياره، أن تحافظ على أمنه وهدوئه وسكون ليله، تعاتبه ولا تخاصمه، تنتقده ولا تجرحه، تثور عليه ولا تطعنه، تسكن غيره ولا تنساه»..
الوطن فقط لا يتركنا حتى لو هجرناه..
لا ينسانا حتى لو تجاهلناه..
لا يتنكر لنا حتى لو استبدلناه بغيره..
لا يحقد علينا حتى لو خناه..
ينتظرنا مهما غبنا، يسامحنا مهما أخطأنا..
يحضننا مهما تمادينا في العقوق، وما أقسى عقوق الوطن..
ما أقساه.
لماذا الآن ;;;
سؤال مليء بالشك والحيرة والفضول، وفي نفس الوقت سؤال مشروع ومنطقي، قد يكون جوابه سؤال: ولماذا ليس الآن؟
جمعية جديدة فتية وجريئة ومفاجئة، تظهر إلى الوجود في وقت ما أحوجنا فيه إلى أبناء الوطن البررة الذين يرغبون بصدق في بنائه وخدمته وتضميد جراحه ولمّ شمله والإحسان إليه، أبنائه الذين تعبوا من رؤيته يشكو ويئن ويكتوي بنيران موجهة صوبه من الإخوة والأعداء، أبنائه القاطنين والمهاجرين الذين يحملونه بداخلهم حبا وفرحا وألما.
لقد قضينا سنين نُعبر فيها عن حبنا للوطن بحشمة كأننا نستَنكفه، ننتمي إليه متى شئنا ونتنكر له في أول مَحك، والكثيرون يبيعونه في كل لحظة بطرق شتى وبمكاسب لا تحصى. لقد قضينا سنين نخنق كل القيم والمثل بداخل صغارنا حتى جعلناهم بلا هوية ولا انتماء ولا ارتباط بالوطن، كل شيء مستورد أو مستنسخ أو سطحي بلا معنى ولا عمق، من المقررات الدراسية إلى البرامج التلفزية مرورا بالشارع والبيت والأسرة وأساليب التربية.
لقد ضحّى أجدادنا بشرف وصدق وعزة واستماتة من أجل استقلال هذا البلد، فتسلمه الخونة والمرتزقة والمرتشون وعبدة الكراسي والمناصب ليقسموه ويعيثوا فيه فسادا.. يشردون أبناءه ويمحون هويته ويعطون للأجيال دروسا في استغلال الوطن ونهبه ومص دمائه.
لقد ترسخ الوطن في عقول المغاربة كفريسة يلتَم حولها الذئاب الجياع، كل واحد ينهش غنيمته بكل قسوة وهمجية وظلم واستبداد، فيما ظل الشرفاء يرقبون في صمت أو يناضلون عزلاء، أو يضربون كفا بكف ويرحلون ببقايا وطن ورائحة وذكرى وندوب.
لماذا الآن؟
لأننا في حاجة إلى أن تَدِب الحياة في قلوبنا والأمل في شراييننا والحكمة في عقولنا، وننهض لنضمد جراح هذا الوطن، أن نقوم بواجبنا تجاهه بكل بساطة، أن نسعفه قبل فوات الأوان لذلك فجمعية «نجوم مواطنة» بادرة استثنائية في مرحلة استثنائية «إما أن نكون فيها مغاربة أو لا نكون»، ونحن مغاربة بكبرياء، فنانين وصحفيين وإعلاميين ورياضيين وحقوقيين وأفراد مجتمع مدني، ونستطيع خدمة وطننا بقوة وإبداع وذكاء، نستطيع أن نكون صوت من بُحّ صوته أو بيع أو أُخرِص، نستطيع أن نعيد ثقة الناس بوطنهم وبنفسهم وبمثقفيهم ومبدعيهم.. لماذا ليس الآن؟
فلكل فعل بداية، وأتمنى ألا تكون لهذه البادرة نهاية، لأنها انبثقت من أفراد بدون توصية أو طلب أو توجيه من أحد، مستقلين وأحرارا، الوطن فقط من أملى علينا في صمت يحكي الكثير أن نبتعد عن كل الحزازات الفردية والحروب الوهمية الخاسرة ونقف وقفة رجل واحد «أو امرأة واحدة» لنقول بأعلى صوتنا «بلادي ف قلبي» بعيدا عن الملاحم البدائية ومظاهر الوطنية الزائفة والمتصنعة، لنخدم بلدنا من موقعنا، علـّنا نتدارك أخطاء بعض السياسيين ونتجاوز اقتتال بعض الأحزاب ونهون على الناس هفوات الحكومة وخساراتها.
لقد وضعنا نصب أعيننا مصلحة بلدنا فوق كل اعتبار، ومددنا أيدينا نحو كل مغربي ينبض قلبه حبا لهذه الديار وتسري في عروقه «تمغريبيت» الحقة، كي نخرج من الغيبوبة التي أجبرنا عليها كل هاته السنين..
فما من خيار بقي أمامنا سوى أن نستفيق وننهض.
جمعية جديدة فتية وجريئة ومفاجئة، تظهر إلى الوجود في وقت ما أحوجنا فيه إلى أبناء الوطن البررة الذين يرغبون بصدق في بنائه وخدمته وتضميد جراحه ولمّ شمله والإحسان إليه، أبنائه الذين تعبوا من رؤيته يشكو ويئن ويكتوي بنيران موجهة صوبه من الإخوة والأعداء، أبنائه القاطنين والمهاجرين الذين يحملونه بداخلهم حبا وفرحا وألما.
لقد قضينا سنين نُعبر فيها عن حبنا للوطن بحشمة كأننا نستَنكفه، ننتمي إليه متى شئنا ونتنكر له في أول مَحك، والكثيرون يبيعونه في كل لحظة بطرق شتى وبمكاسب لا تحصى. لقد قضينا سنين نخنق كل القيم والمثل بداخل صغارنا حتى جعلناهم بلا هوية ولا انتماء ولا ارتباط بالوطن، كل شيء مستورد أو مستنسخ أو سطحي بلا معنى ولا عمق، من المقررات الدراسية إلى البرامج التلفزية مرورا بالشارع والبيت والأسرة وأساليب التربية.
لقد ضحّى أجدادنا بشرف وصدق وعزة واستماتة من أجل استقلال هذا البلد، فتسلمه الخونة والمرتزقة والمرتشون وعبدة الكراسي والمناصب ليقسموه ويعيثوا فيه فسادا.. يشردون أبناءه ويمحون هويته ويعطون للأجيال دروسا في استغلال الوطن ونهبه ومص دمائه.
لقد ترسخ الوطن في عقول المغاربة كفريسة يلتَم حولها الذئاب الجياع، كل واحد ينهش غنيمته بكل قسوة وهمجية وظلم واستبداد، فيما ظل الشرفاء يرقبون في صمت أو يناضلون عزلاء، أو يضربون كفا بكف ويرحلون ببقايا وطن ورائحة وذكرى وندوب.
لماذا الآن؟
لأننا في حاجة إلى أن تَدِب الحياة في قلوبنا والأمل في شراييننا والحكمة في عقولنا، وننهض لنضمد جراح هذا الوطن، أن نقوم بواجبنا تجاهه بكل بساطة، أن نسعفه قبل فوات الأوان لذلك فجمعية «نجوم مواطنة» بادرة استثنائية في مرحلة استثنائية «إما أن نكون فيها مغاربة أو لا نكون»، ونحن مغاربة بكبرياء، فنانين وصحفيين وإعلاميين ورياضيين وحقوقيين وأفراد مجتمع مدني، ونستطيع خدمة وطننا بقوة وإبداع وذكاء، نستطيع أن نكون صوت من بُحّ صوته أو بيع أو أُخرِص، نستطيع أن نعيد ثقة الناس بوطنهم وبنفسهم وبمثقفيهم ومبدعيهم.. لماذا ليس الآن؟
فلكل فعل بداية، وأتمنى ألا تكون لهذه البادرة نهاية، لأنها انبثقت من أفراد بدون توصية أو طلب أو توجيه من أحد، مستقلين وأحرارا، الوطن فقط من أملى علينا في صمت يحكي الكثير أن نبتعد عن كل الحزازات الفردية والحروب الوهمية الخاسرة ونقف وقفة رجل واحد «أو امرأة واحدة» لنقول بأعلى صوتنا «بلادي ف قلبي» بعيدا عن الملاحم البدائية ومظاهر الوطنية الزائفة والمتصنعة، لنخدم بلدنا من موقعنا، علـّنا نتدارك أخطاء بعض السياسيين ونتجاوز اقتتال بعض الأحزاب ونهون على الناس هفوات الحكومة وخساراتها.
لقد وضعنا نصب أعيننا مصلحة بلدنا فوق كل اعتبار، ومددنا أيدينا نحو كل مغربي ينبض قلبه حبا لهذه الديار وتسري في عروقه «تمغريبيت» الحقة، كي نخرج من الغيبوبة التي أجبرنا عليها كل هاته السنين..
فما من خيار بقي أمامنا سوى أن نستفيق وننهض.
الأحد، 7 فبراير 2010
بشرى إيجورك لـ "هسبريس": واقع الفن بالمغرب برتقالة نصفها حلو والآخر مر
حاورها: خالد البرحلي
هي المخرجة والكاتبة، هي الممثلة والمبدعة في عمودها الأسبوعي بجريدة "المساء"، هي خريجة المعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي سنة 1998، وهي الحاصلة على ماستر معمق في الإخراج من المدرسة العليا لمهن الصوت والصورة بباريس، هي صاحبة "البرتقالة المرة" و"كروان" و"الثوار الجدد" و"الوجه الزرق، شفشاون" و "الحي المنسي، الحي المحمدي"، هي الفنانة التي تحمل بين دفتي قلبها هموم الوطن، وأنينه، هي التي تحيى وتكتب وتصلي وتسافر..هي بشرى إيجورك التي تستضيفها "هسبريس" في هذا الحوار.
كيف حالك الفنانة بشرى؟
أنا بخير، أحيا، أفكر، أكتب، أصلي، أسافر، أتابع بقلق ما يعيشه بلدي من تآمر الإخوة و الأعداء، و أحاول أن أكون سعيدة ما استطعت، و أن أحمل كل المشاعر الطيبة معي أينما حللت، ربما أقي نفسي عدوى الاكتئاب و الإحباط و الركض خلف الماديات، و أنجح في الحفاظ على قليل من التوازن بداخلي.
معروف أنك خجولة في طبعك، ثائرة في كتاباتك، فهل طباعك هذه تنعكس على أعمالك؟
أكيد أن طباعي تظهر من خلال أعمالي، فأنا كما تفضلت وقلت، خجولة، ثائرة و ربما أحمل من التناقضات ما يكفي، فأنا القوية الضعيفة، أثرثر بلسان الصمت، و أبتسم من الحزن، ومحافظة بتحرر، ولازلت أتمسك بتلابيب الرومانسية، لذلك أعمالي الفنية و كتاباتي تعبير عن كل هذه الأحاسيس و الطباع و التفاصيل، "البرتقالة المرة" و "الثوار الجدد" و "كروان" و غيرها أعمال تشبهني، لذلك أوقعها باسمي و روحي و أسئلتي و هواجسي و همومي.
لطالما تمنيت وأنت صغيرة أن تصبحي مغنية، مع اعتقادي الشخصي أن صوتك سيء لهذا الأمر، لكن مع هذا يجب الإقرار أنك تجيدين الغناء بالقلم في عمودك الأسبوعي في "المساء"، فكيف تولدت فكرة هذا العمود؟
لماذا تعتقد أن صوتي سيء للغناء رغم أنك لم تسمعه أبدا؟ تضحك..
صوتي ليس سيئا لكنه لا يطرب، أما قلمي فأحيانا نشيد فرح و أحيانا أنين ناي شجي، وفي أحيان كثيرة بركان حممه أسئلة مؤرقة ورغبة في اقتسام القراء كل شيء، الفرح، والحزن، والانتصارات والخسارات..
وبداية كتابة العمود كانت صدفة، أو لنسميها مغامرة قررت أن أخوضها باقتراح من الصحفي الصديق رشيد نيني، الذي طلب مني ذات صباح أن أساهم بعمود في مولود جديد سيحمل اسم "المساء"، ترددت في البداية، ثم بعثت بعض النصوص لرشيد والذي جاء صوته عبر الهاتف يهنئني ويتنبأ للعمود بنجاح كبير، لذلك، فأنا مدينة لرشيد نيني بنجاح "فلاش باك" ولكل القراء الذين شجعوني ودعموني ولازالوا يتابعون كتاباتي على المساء ومجلة "نجمة".
بالإضافة إلى كونك كاتبة عمود، فأنت أيضا كاتبة سيناريو ومخرجة ولديك طموح لكتابة الرواية.. أين سيقف طموحك هذا؟
طموحاتي لا حدود لها، لكنني أسعى لتحقيقها بصبر و تأن و إصرار، أنجح و أخفق، أخطئ و أصيب..لكنني لا أتعب و لا أصاب بالملل، بالعكس تماما متى تعثرت ووقعت أقوم بتحد و عناد أكبر.
المرء بلا طموح ولا مواهب، إنسان عاجز تسكنه البرودة، وأنا مليئة بالحياة و بالرغبة في التعبير و الإبداع والسمو، لذلك أحب أن أعبر عن وجودي كإنسانة أو فنانة أو أنثى بأساليب إبداعية شتى أصقلها بالدراسة، والقراءة و البحث والتكوين. فأنا ممثلة خريجة المعهد العالي للفن المسرحي بالرباط، ومخرجة استفدت من ماستر معمق في الإخراج بالمدرسة العليا لمهن الصوت والصورة بباريس، وشاركت في عدة محترفات في الكتابة والإخراج. لذلك طموحي لا محطة لوقوفه سيضل ينبض بداخلي أفكار و مشاريع و أماني مادمت على قيد الحياة.
احتفيت بالمدينة المغربية من خلال فلم وثائقي عن شفشاون، كما صورت وثائقي آخر عن الحي المحمدي، كيف جاءت فكرة تسليط الضوء على مناطق عاشت طويلا في الظل؟
هناك مناطق كثيرة بالمغرب عاشت طويلا في الظل، ولازالت مدن مهمشة و قرى و دواوير لا يربطها بالوطن سوى العنوان والبطاقة الوطنية، لذلك أجد أن من مسؤولية الفنون- المرئية بشكل خاص- أن تنفض الغبار عن هذه المناطق و تعرف بها و بذاكرتها المنسية. بالنسبة لفيلمي "الوجه الزرق، شفشاون" و "الحي المنسي، الحي المحمدي" فهما من إنتاج قناة الجزيرة الوثائقية، وقد حاولت من خلالهما أن أبرز وجها آخر للمغرب من خلال غناه الحضاري و الثقافي و التاريخي النضالي و الموسيقي و المعماري و الديني...وأرغب في أن يرتبط كل عمل أنجزه بفضاء مدينة، مثلا" البرتقالة المرة" صورته بأصيلة الجميلة، وفيلمي القادم سأصوره إن شاء الله بالصويرة.
أنت خريجة المعهد العالي لفن المسرحي، ومع ذلك هجرت الخشبة ولمدة طويلة، هل مازال يسكنك المسرح، أم وضعته في منطقة نائية من اهتماماتك؟
عشقي الأول هو المسرح، وقد قدمت عروضا كثيرة في السنوات الأولى من تخرجي، لكنني خنته و تخليت عنه للأسف لظروفه الصعبة، إشكالية المسرح المغربي كبرى وتلزم هذا الملف عناية خاصة من وزير الثقافة كي ينتعش و يستفيق من حالة الإغماء الذي يعيشها منذ زمن، لا أرغب في المساهمة في عمل لا يرقى لطموحاتي، كما أنني لن أتدرب شهرا أو أكثر لأقدم عرضين أو ثلاثة ثم ينتهي كل شيء، لكن إذا ما اقترح علي نص جيد و ظروف محترمة للاشتغال، فإنني لن أتردد في معانقة الخشبة، فأنا حقا مشتاقة للمسرح.
بصدق، ما تعليقك على الواقع الفني المغربي، هل هو برتقالة مرة يا ترى؟
واقع الفن بالمغرب برتقالة نصفها حلو والآخر مر، وبما أنني متفائلة أفضل الأمل، فأنا أحب أن أتذوق و أقتسم الجزء الحلو في انتظار غذ أفضل.
هناك فنانون رائعون ومبدعون بمستوى عالمي، يدافعون عن قيم هذا الوطن ومثله وأحلامه وآماله، ضحوا وصبروا ولازالوا يعطون الكثير، وهناك جيل من الشباب بقدرات عالية و أخلاق نبيلة، هؤلاء يكفون ليكون أملي في مغرب الغد كبير و جميل.
هي المخرجة والكاتبة، هي الممثلة والمبدعة في عمودها الأسبوعي بجريدة "المساء"، هي خريجة المعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي سنة 1998، وهي الحاصلة على ماستر معمق في الإخراج من المدرسة العليا لمهن الصوت والصورة بباريس، هي صاحبة "البرتقالة المرة" و"كروان" و"الثوار الجدد" و"الوجه الزرق، شفشاون" و "الحي المنسي، الحي المحمدي"، هي الفنانة التي تحمل بين دفتي قلبها هموم الوطن، وأنينه، هي التي تحيى وتكتب وتصلي وتسافر..هي بشرى إيجورك التي تستضيفها "هسبريس" في هذا الحوار.
كيف حالك الفنانة بشرى؟
أنا بخير، أحيا، أفكر، أكتب، أصلي، أسافر، أتابع بقلق ما يعيشه بلدي من تآمر الإخوة و الأعداء، و أحاول أن أكون سعيدة ما استطعت، و أن أحمل كل المشاعر الطيبة معي أينما حللت، ربما أقي نفسي عدوى الاكتئاب و الإحباط و الركض خلف الماديات، و أنجح في الحفاظ على قليل من التوازن بداخلي.
معروف أنك خجولة في طبعك، ثائرة في كتاباتك، فهل طباعك هذه تنعكس على أعمالك؟
أكيد أن طباعي تظهر من خلال أعمالي، فأنا كما تفضلت وقلت، خجولة، ثائرة و ربما أحمل من التناقضات ما يكفي، فأنا القوية الضعيفة، أثرثر بلسان الصمت، و أبتسم من الحزن، ومحافظة بتحرر، ولازلت أتمسك بتلابيب الرومانسية، لذلك أعمالي الفنية و كتاباتي تعبير عن كل هذه الأحاسيس و الطباع و التفاصيل، "البرتقالة المرة" و "الثوار الجدد" و "كروان" و غيرها أعمال تشبهني، لذلك أوقعها باسمي و روحي و أسئلتي و هواجسي و همومي.
لطالما تمنيت وأنت صغيرة أن تصبحي مغنية، مع اعتقادي الشخصي أن صوتك سيء لهذا الأمر، لكن مع هذا يجب الإقرار أنك تجيدين الغناء بالقلم في عمودك الأسبوعي في "المساء"، فكيف تولدت فكرة هذا العمود؟
لماذا تعتقد أن صوتي سيء للغناء رغم أنك لم تسمعه أبدا؟ تضحك..
صوتي ليس سيئا لكنه لا يطرب، أما قلمي فأحيانا نشيد فرح و أحيانا أنين ناي شجي، وفي أحيان كثيرة بركان حممه أسئلة مؤرقة ورغبة في اقتسام القراء كل شيء، الفرح، والحزن، والانتصارات والخسارات..
وبداية كتابة العمود كانت صدفة، أو لنسميها مغامرة قررت أن أخوضها باقتراح من الصحفي الصديق رشيد نيني، الذي طلب مني ذات صباح أن أساهم بعمود في مولود جديد سيحمل اسم "المساء"، ترددت في البداية، ثم بعثت بعض النصوص لرشيد والذي جاء صوته عبر الهاتف يهنئني ويتنبأ للعمود بنجاح كبير، لذلك، فأنا مدينة لرشيد نيني بنجاح "فلاش باك" ولكل القراء الذين شجعوني ودعموني ولازالوا يتابعون كتاباتي على المساء ومجلة "نجمة".
بالإضافة إلى كونك كاتبة عمود، فأنت أيضا كاتبة سيناريو ومخرجة ولديك طموح لكتابة الرواية.. أين سيقف طموحك هذا؟
طموحاتي لا حدود لها، لكنني أسعى لتحقيقها بصبر و تأن و إصرار، أنجح و أخفق، أخطئ و أصيب..لكنني لا أتعب و لا أصاب بالملل، بالعكس تماما متى تعثرت ووقعت أقوم بتحد و عناد أكبر.
المرء بلا طموح ولا مواهب، إنسان عاجز تسكنه البرودة، وأنا مليئة بالحياة و بالرغبة في التعبير و الإبداع والسمو، لذلك أحب أن أعبر عن وجودي كإنسانة أو فنانة أو أنثى بأساليب إبداعية شتى أصقلها بالدراسة، والقراءة و البحث والتكوين. فأنا ممثلة خريجة المعهد العالي للفن المسرحي بالرباط، ومخرجة استفدت من ماستر معمق في الإخراج بالمدرسة العليا لمهن الصوت والصورة بباريس، وشاركت في عدة محترفات في الكتابة والإخراج. لذلك طموحي لا محطة لوقوفه سيضل ينبض بداخلي أفكار و مشاريع و أماني مادمت على قيد الحياة.
احتفيت بالمدينة المغربية من خلال فلم وثائقي عن شفشاون، كما صورت وثائقي آخر عن الحي المحمدي، كيف جاءت فكرة تسليط الضوء على مناطق عاشت طويلا في الظل؟
هناك مناطق كثيرة بالمغرب عاشت طويلا في الظل، ولازالت مدن مهمشة و قرى و دواوير لا يربطها بالوطن سوى العنوان والبطاقة الوطنية، لذلك أجد أن من مسؤولية الفنون- المرئية بشكل خاص- أن تنفض الغبار عن هذه المناطق و تعرف بها و بذاكرتها المنسية. بالنسبة لفيلمي "الوجه الزرق، شفشاون" و "الحي المنسي، الحي المحمدي" فهما من إنتاج قناة الجزيرة الوثائقية، وقد حاولت من خلالهما أن أبرز وجها آخر للمغرب من خلال غناه الحضاري و الثقافي و التاريخي النضالي و الموسيقي و المعماري و الديني...وأرغب في أن يرتبط كل عمل أنجزه بفضاء مدينة، مثلا" البرتقالة المرة" صورته بأصيلة الجميلة، وفيلمي القادم سأصوره إن شاء الله بالصويرة.
أنت خريجة المعهد العالي لفن المسرحي، ومع ذلك هجرت الخشبة ولمدة طويلة، هل مازال يسكنك المسرح، أم وضعته في منطقة نائية من اهتماماتك؟
عشقي الأول هو المسرح، وقد قدمت عروضا كثيرة في السنوات الأولى من تخرجي، لكنني خنته و تخليت عنه للأسف لظروفه الصعبة، إشكالية المسرح المغربي كبرى وتلزم هذا الملف عناية خاصة من وزير الثقافة كي ينتعش و يستفيق من حالة الإغماء الذي يعيشها منذ زمن، لا أرغب في المساهمة في عمل لا يرقى لطموحاتي، كما أنني لن أتدرب شهرا أو أكثر لأقدم عرضين أو ثلاثة ثم ينتهي كل شيء، لكن إذا ما اقترح علي نص جيد و ظروف محترمة للاشتغال، فإنني لن أتردد في معانقة الخشبة، فأنا حقا مشتاقة للمسرح.
بصدق، ما تعليقك على الواقع الفني المغربي، هل هو برتقالة مرة يا ترى؟
واقع الفن بالمغرب برتقالة نصفها حلو والآخر مر، وبما أنني متفائلة أفضل الأمل، فأنا أحب أن أتذوق و أقتسم الجزء الحلو في انتظار غذ أفضل.
هناك فنانون رائعون ومبدعون بمستوى عالمي، يدافعون عن قيم هذا الوطن ومثله وأحلامه وآماله، ضحوا وصبروا ولازالوا يعطون الكثير، وهناك جيل من الشباب بقدرات عالية و أخلاق نبيلة، هؤلاء يكفون ليكون أملي في مغرب الغد كبير و جميل.
جُنون..
كل هذا التاريخ الحافل, كل هاته الأمجاد..كل الإنجازات الخالدات, كل ما كُنّاه في زمن مضى أصبح مجرد صفحات في ذاكرة منسية يغطيها الغبار..كل العلماء و الفقهاء و الأدباء من رجالات و نساء هذا الوطن ممن تعاقبوا عليه من حضارات و سلاطين, كل المؤسسين الذين بنوا هذا البلد من شماله إلى صحرائه, و أغنوا حضارته و لغته و دينه و ثقافته و مثله و قيمه و هويته..
كل هذا المجد الخالد و الكنوز التي لا تقدر بثمن, من كتب و مخطوطات ومن معالم و مساجد و قصور و مباني و أسوار, ومن مدن شامخة بجمالها و ثرائها و تميزها, كل ما نملكه من شواطئ و جبال و سهول ووديان, أكرمنا الخالق ووهبنا بحرين و صحراء بسحر لا يوصف و غنى يثير جشع و حسد الطامعين..
كل هذا و ذاك, ونحمل جرحا في القلب يوجع بشدة أسفا على ما كناه بالأمس و ما أصبحناه الآن..
كنا قبلة للعلماء و الفقهاء و طلاب العلم, و أصبحنا قبلة للفجار و الفاسدين و طلاب اللذات العابرة.
كنا عنوان الشدة و العزة والعرض و الشرف, وأصبحنا نصدر بنات الهوى في وضح النهار, ونستقبلهن مطرودات في طائرات خاصة تلفظهن كالمجرمات دون أن نخجل أو ننتفض.
كنا نفخر بأبطالنا و رياضيينا العصاميين, من أهدونا رفرفة العلم في أرقى التظاهرات, من جعلونا نطرب لنشيدنا الوطني يُعزف في أعرق الملاعب, من جعلونا نفرح و ننتشي بطعم الفخر و الرضا..أما الآن فنحن مشتاقين للنصر, ننتظره بصبر و أمل و ألم, نتجرع الخيبة تلو الأخرى حتى مللنا من الخسارات المتلاحقة و أصبنا بالاستياء و عمّ العباد الشعور باليأس والضعف و القنوط و احتقار الذات و الانتماء.
كنا عنوانا للعِلم و الحضارة و التعايش و التسامح و السلام, ولحسن الضيافة و الجود و الكرم, وكنا مثالا للصمود و الشجاعة و النضال و الحرية في دفاعنا عن استقلالنا و دودنا عن وطننا و حفاظنا على قيمنا, و أصبحنا عنوانا للهجرة السرية و الدعارة و المخدرات و الجريمة و الرشوة و المحسوبية و التزوير و تراجع التعليم و البطالة..
كنا نبني صرنا نهدم..
كنا نتقدم صرنا نتراجع..
كنا بأنفة و كبرياء صرنا بلا كرامة..
عطب ما أصاب حواسنا, أو لعنة خفية تلاحقنا, أو شياطين الجن و الإنس تتربص بنا لتُذلّنا و تضعفنا و تشوه إنسانيتنا..
و إلا ماذا حلّ بنا؟ من دحرجنا نحو الهاوية؟ من سلبنا فرحتنا و نصرنا؟
من يتربص بحقنا في الكرامة و النجاح و السمو و الاعتزاز بالوطن و الهوية..
إنها أسئلة حارقة, تبدأ صغيرة فتكبر و تكبر و تكبر, إلى أن يضج الرأس بها, فتصاب بالأرق و تفقد شهية الحياة و ربما تقودك إلى الجنون..
إن كنت لا تزال عاقلا.
كل هذا المجد الخالد و الكنوز التي لا تقدر بثمن, من كتب و مخطوطات ومن معالم و مساجد و قصور و مباني و أسوار, ومن مدن شامخة بجمالها و ثرائها و تميزها, كل ما نملكه من شواطئ و جبال و سهول ووديان, أكرمنا الخالق ووهبنا بحرين و صحراء بسحر لا يوصف و غنى يثير جشع و حسد الطامعين..
كل هذا و ذاك, ونحمل جرحا في القلب يوجع بشدة أسفا على ما كناه بالأمس و ما أصبحناه الآن..
كنا قبلة للعلماء و الفقهاء و طلاب العلم, و أصبحنا قبلة للفجار و الفاسدين و طلاب اللذات العابرة.
كنا عنوان الشدة و العزة والعرض و الشرف, وأصبحنا نصدر بنات الهوى في وضح النهار, ونستقبلهن مطرودات في طائرات خاصة تلفظهن كالمجرمات دون أن نخجل أو ننتفض.
كنا نفخر بأبطالنا و رياضيينا العصاميين, من أهدونا رفرفة العلم في أرقى التظاهرات, من جعلونا نطرب لنشيدنا الوطني يُعزف في أعرق الملاعب, من جعلونا نفرح و ننتشي بطعم الفخر و الرضا..أما الآن فنحن مشتاقين للنصر, ننتظره بصبر و أمل و ألم, نتجرع الخيبة تلو الأخرى حتى مللنا من الخسارات المتلاحقة و أصبنا بالاستياء و عمّ العباد الشعور باليأس والضعف و القنوط و احتقار الذات و الانتماء.
كنا عنوانا للعِلم و الحضارة و التعايش و التسامح و السلام, ولحسن الضيافة و الجود و الكرم, وكنا مثالا للصمود و الشجاعة و النضال و الحرية في دفاعنا عن استقلالنا و دودنا عن وطننا و حفاظنا على قيمنا, و أصبحنا عنوانا للهجرة السرية و الدعارة و المخدرات و الجريمة و الرشوة و المحسوبية و التزوير و تراجع التعليم و البطالة..
كنا نبني صرنا نهدم..
كنا نتقدم صرنا نتراجع..
كنا بأنفة و كبرياء صرنا بلا كرامة..
عطب ما أصاب حواسنا, أو لعنة خفية تلاحقنا, أو شياطين الجن و الإنس تتربص بنا لتُذلّنا و تضعفنا و تشوه إنسانيتنا..
و إلا ماذا حلّ بنا؟ من دحرجنا نحو الهاوية؟ من سلبنا فرحتنا و نصرنا؟
من يتربص بحقنا في الكرامة و النجاح و السمو و الاعتزاز بالوطن و الهوية..
إنها أسئلة حارقة, تبدأ صغيرة فتكبر و تكبر و تكبر, إلى أن يضج الرأس بها, فتصاب بالأرق و تفقد شهية الحياة و ربما تقودك إلى الجنون..
إن كنت لا تزال عاقلا.
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)