الأحد، 20 ديسمبر 2009

نداء العقل و القلب

قيل لي : "عودي بشرى لأدبك و دعي تلك المواضيع للآخرين, ليس لأنك لا تصلحين لها بل لأنها أصغر منك ومن مشاعرك, دعي قلمك يرسم و لا يصور, يصف ولا يحقق...أبعديه عن السياسة حتى لا يشحب مداده."
الحقيقة أنني لا أكتب تحت الطلب, و لا أدري متى أكون هادئة حالمة و لا متى تتأجج النيران في صدري و تصبح كلماتي شذرات بركان مشتعل, حينما أكتب أمارس حريتي الوحيدة في أن أعبر كما أشاء, بلا قيد و لا وصاية..أستدرجكم إلى عالمي حيث تجتمع كل المتناقضات, حبا و فرحا و يأسا و نجاحا و قوة و ضعفا, لذلك تأتي كلماتي حسب مزاجي و انتصاراتي و خسارتي.
أحيانا تستيقظ و أنت ترتدي الحزن دون أن تفهم لم بدأ صباحك عكرا, و أحيانا تتمعن في صورتك أمام المرآة و تبتسم شفاهك و عيونك و يبدأ يومك و عصفور صغير يغرد بداخلك, هكذا هي أيضا كتاباتي أحيانا نداء للعقل متى احتكمت للعقل, و أحيانا نداء للقلب متى احتكمت للفؤاد, و لا أدري أبدا متى أحتكم لهذا أو ذاك.عندما أشعر بعدم الرضا بداخلي و أنا أتابع أخبار بلادي السيئة أصرخ بدوري حينما أختلي بقلمي و أعبر عن رأيي بطريقتي, أما القلب فله منطقه الخاص الذي لا نتحكم فيه مطلقا, مهما حاولنا أن نضبط دقاته كما نأمل..لا نستطيع, أحيانا يطاوعنا و غالبا ما يخذلنا, تتسارع دقاته متى أراد و فجأة يفاجئك بنبض مرتجف و أحيانا بكاء خافت, لذلك حينما تصغي إلى حواسك و أفكارك و تترجم أحاسيسك كلمات و حكايا تقصها على قرائك, تكتب ما تعجز عن قوله, تصرح بحديث خفي لا تجهر به إلا كتابة, تخطه كرسالة ترفض أن تقرأها على العلن, لكنك تتقاسمها مع قراء تعرفهم دون أن تراهم, تفصح لهم عن أشياء و تقتسم معهم أسرار روحك و أحيانا تتركهم يُؤوّلون الكلمات و الصمت.
أتفهم رغبة بعض قرائي في حمايتي من مستنقع السياسة, وأن أكتب دائما عن الحب و الحلم و الأمل, وأن أخط" نصوصا رومانسية تذكر بالزمن الجميل", لكنني أومن بأن الرومانسية أكبر من نص مكتوب بعناية, إنها أسلوب وجود و حياة, إحساس أقوى منك يجعلك تبتسم متى حزنت, تسامح متى جرحت, تغضب بهدوء, تعلو بتواضع, تعطي و إن لم تأخذ, تحيى مثقلا بالأمل و الألم, يتجاور بداخلك الفرح و الحزن, الثورة و السكينة, الخطأ و الصواب, العفو و الاعتذار..
لذلك لا أستطيع أن أنطق شعرا دائما, أغازل الكلمات متى استطعت, و أترك حمم الأسئلة و الهواجس تتطاير كلمات حينما أثور, فتأتي نصوصي بطعم مختلف متجدد و مفاجئ, أفكر و أسأل و أناقش و أجادل و أحلم و أرسم بدون قيود أو حدود..
هكذا فقط أشعر بالتوازن..
هكذا فقط أحيى و أكون.

جيل المسيرة

تأملت طويلا شابة في بداية العمر جلست قبالة صمتي داخل القطار, تحدثني بحسرة عن الفرق الشاسع بين دراما الترك و دراما المغرب, وتُنوّه بأبطال تحفظ أسماءهم و تعرف أعمارهم و تتابع تفاصيل حياتهم باهتمام بالغ و بجدية لا توصف..
كانت تتحدث بسرعة.. تسأل و تجيب, تتفق و تعارض, تنفي و تؤكد و تنتقل من موضوع لآخر دون نقطة أو فاصلة. وكنت أسرح بتفكيري بعيدا أفكر في ما آل إليه حال شبابنا و أي اهتمامات صارت تشغلهم و أي همّ يحملون.
حينما أستحضر ما علق بذهني من صور و مواقف, أذكر أن الشباب المغربي في سنوات خلت كان عنوانا للتفوق و الجد و النجاح و الإحساس بالمسؤولية, كان التفوق الدراسي هو عنوان التميز و كانت المنافسة على أشدها حول القدرة على النقاش و قراءة أكبر عدد من الكتب و الدراسات و الدواوين و الإلمام بمختلف المدارس الفكرية و النظريات الفلسفية و الثورية, و التمكن من اللغة و التعبير بطلاقة, ومواكبة الأحداث الوطنية و الدولية بالتعليق و التحليل..كان لشبابنا رأي, صوت, عقل, أسلوب ورغبة في تجاوز الفقر و الصعاب في سبيل النجاح و التغيير, لذلك تسلحوا بالعلم و درسوا و صبروا و نجحوا و تفوقوا و ثاروا و سجنوا و عذبوا من أجل مغرب جديد.
الآن, وبعد كل هاته السنين..أين نحن من شباب الستينات و السبعينات؟
وما الذي يشغل بال شبيبتنا الغضة الطرية؟ جيل المسيرة كما يحلو للبعض تسميتنا..
الدراما التركية, السينما الأمريكية (و الهندية) , البطولة الإسبانية (و الإيطالية) الماركات العالمية..هذا كل شيء.
لا من يقرأ, و لا من يناقش و لا من يسأل, ولا من يهتم بهذا الوطن..استلاب كامل فكرا و هوية و لغة و شكلا و مضمونا. فالمدرسة استقالت من مهمتها التعليمية و الإعلام من وظيفته التثقيفية و البيت من سلطته التربوية و الحكومة من التزاماتها و مسؤولياتها و..و..و..لذلك ظل شبابنا عزل دون أسلحة, والنتيجة شباب ضعيف مستسلم و مهزوز الشخصية, لا يعول عليه, يثير الشفقة و يبعث على الخجل و ينذر بغذ متعثر.
كيف لجيل المسيرة أن يكون بهذا الوضع, وهذه الصفات..شباب متواكلون ضحايا سياسات و تجارب وقرارات جائرة, و تربية هجينة أنتجت أفرادا نشاز..لا يحترمون أحدا و لا يلقون التحية إلا ناذرا, ذكور كالإناث بشعر لامع وحلي و فتيات بأدمغة فارغة و أحلام بلا ألوان, لا يحسنون فعل شيء, تفكيرهم, منطقهم, مشيتهم, ضحكتهم, وجودهم.. إنها كارثة وطنية و بؤس لا يطاق ووضعية مستعجلة تتطلب التدخل السريع.
كانت الشابة لازالت تتكلم, لم تبلع لسانها و لو للحظة, حينما انتبهت إليها كانت تتحدث باهتمام و توتر عن تعليقات الفنانات المصريات عقب مباراة التخلف بين مصر و الجزائر.
تفحصت وجهها طويلا وسألتها : " أتعرفين من تكون المدعوة أمينتو حيدر؟"
فردت بعجل : "شي مغنية موريطانية, ياكي؟؟؟".