الأحد، 14 ديسمبر 2008

لم يَرُد

سألته عن معنى الكرامة فلم يرد، حاولت أن أفهم منه ما جدوى المناداة بالكرامة للجميع والاحتفال باليوم العالمي لحقوق الآدميين والتصفيق والتطبيل في يوم لسنا جديرين بالتغني فيه، فبقي مطبق الشفتين. سألته إن كان يعلم أن المغاربة البسطاء يقفلون على كرامتهم في دواليبهم قبل أن يخرجوا صباحا إلى عملهم -إن كان لديهم عمل- ويبدؤون يومهم بأول درس في الدوس على الكرامة وهو ركوب حافلات -إن توفرت- لا تحترم إنسانيتهم، يتكدسون داخلها كسلعة مهربة إلى أن ينزلوا منها وهم يلعنون يومهم ووطنهم وحظهم العاثر.
هل يعلم أنهم يعيشون رعبا دائما خوفا من المرض، ليس لأنهم لا يؤمنون بالقدر خيره وشره، ولكن لأنهم يفزعون من دخول المستشفيات حيث لا تساوي كرامتهم حيوانا أليفا بعيادة بيطرية بدول أخرى تحترم كرامة الإنسان والحيوان على السواء.
هل يعلم أن صداعا نصفيا يصيبهم كلما اضطروا إلى الذهاب إلى إدارة أو مقاطعة أو أية مؤسسة خوفا من السلطة، والتي مازالت تتعامل معهم كقطيع وليس كمواطنين كاملي الحقوق، وأنه مازال هناك من يرتجف خوفا على كرامة مستباحة وهو يطلب وثيقة تافهة من حقه، آباء وأمهات بخيوط بيضاء تزين رؤوسهم يجلسون لساعات في انتظار الفرج أمام أبواب الإدارات والمراكز، على هامش الحياة وبمحاذاة الكرامة، حيث مقعد مريح وموظف مبتسم ووثائق تمنح في لمح البصر.
إنه الحلم، تلك الرؤى الوردية التي تزور الناس نياما، مدينة فاضلة حيث الكرامة في كل مكان، حياة سعيدة وروح مطمئنة وراتب غير مخجل.
أتراه يعلم أنه ليس من حق كل الناس الحلم؟ فهناك من لا ينام بردا، من لا ينام ظلما، من لا ينام جوعا، من لا ينام ألما..
فبيت من حجر ليس ككوخ من قصب، ووجه منظف بصابون معطر ليس كوجه مغسول بالدمع، الهوة عميقة جدا.
سألته لم نجيد التشريع ولا نحترف التطبيق، لمَ نتكلم كثيرا ونشتغل قليلا، لم لا يكاد المرء منا يدفأ ويغتني ويطمئن حتى ينسى وعوده وثورته ونضاله وقضاياه الكبرى، لمَ قدرنا اليأس والخيبة والأسى وسراب من الطموح ينجلي كلما أدركنا كم حلمنا وتمنينا وصدقنا وانتظرنا.
وكم صدمنا..
لم غيومنا عقيمة لا تمطر، غدنا ضبابه لا يتبدد، غناؤنا مواويل رثاء تدمي القلب، فرحتنا كاذبة، غبطتنا زائفة، حياتنا خالية مقفرة وباردة، لقمتنا عصية، أسئلتنا موجعة.
«الكرامة للجميع» ولمَ لا نحن، ألا نستحقها؟
لمَ نبكي المستقبل قبل الحاضر، لم نطرق أبوابا موصدة ونخاطب عقولا متحجرة ونقف أمام جدار عال نجهل كيف نتخطاه؟
باغتته بسيل من الأسئلة الحارقة كحمم بركان صحا فجأة، حاصرته بلا رحمة، فلم يرد.
كأنه لا يفهمني، كأنني أتحدث لغة معقدة، كأنني أهذي، فلا صدى لصوتي ولا أثر لكلماتي ولا حركة تصبرني وتعزيني.
لمْ يترك صمته.. ولن يخمد بركان أسئلتي..
لمَ لا نحن؟

الثلاثاء، 9 ديسمبر 2008

رسالة أمل في زمن البهرجة والألم

الدكتور عبد الفتاح شهيد
عن موقع هسبريس الالكتروني
Monday, December 08, 2008
إلىالسامقة المتألقة بشرى إيجورك
لست أدري لماذا حين أقرأ ما تكتبين أحس دائما ببساطة رائقة، وصدقية رقيقة، ولباقة مفتقدة، وفخر بكتابة نسائية ـ رغم أني لا أؤمن بالتفريق ـ جميلة عميقة. لم اكن أعرفك إلا معرفة سطحية من خلال بعض الأدوار التي تقمصتها في أعمال تلفزية لم تكن تشد انتباهي إلا قليلا. ربما لأن إخلاصا وصدقا يشتم من بين حروفك وسطورك قبل أن تنضح به عيناك المنطويتان عن مشاعر وإحساسات غامضة. فما بالك بكلماتك الرقيقة الأنيقة وأفكارك الممشوقة الرشيقة. أجدها بهية تشفي القلوب السقيمة، عنيدة تسكت الأفواه الظالمة، جميلة تبصر بألوانها الأعين العمياء. أحسها تغرف من بحر الصدق والحنان والعواطف الملتهبة شوقا وحبا لما تكتب وفيما تكتب ولمن تكتب، حين ينحت غيرها من صخرالنفاق والمجاملة كلمات تصيب الصدق في مقتل، وتضرب صرح الإباء والأنفة من أساس.
فها نحن نعثر يوما بعد يوم ، أو لنقل بمزيد أسف ومرارة، ردحا من الزمان بعد آخر عن اقلام حادة تكتب أفكارا مستنيرة بحبر الروح وتألق القلب وشفاة الجنان. وهانحن في زمن بهرجة المهرجانات، وتفوق النكرات. في زمن تكالب رفاق الأمس على قصاع السلطة الأدمة جوعى، وتسابق أشباه المثقفين على مداخل الجشع النتنة صرعى. في زمن هذه معالمه التي لم تعد تخفى، وهذه أمراضه التي لا تكاد تشفى. توقظنا من سبات الهم والحزن نسماتك اللطيفة، ونفحاتك الشريفة، تتزيا في ثوب إيمان قشيب، بأفكار ناصعة نصاعة الثوب الأبيض، وبمواقف تذكرنا بأهل الزمان الجميل الغابر.
صدقيني إن هذه الكلمات وأمثالها، وهذه الأفكار ونظيراتها، لكفيلة بإزالة السواد الذي غطى القلوب، والهوى الذي أغوى النفوس، والثوب الذي كمم البصائر قبل الأبصار. إن مثل هذه الأحرف الطيبة تبعث ريحا تنعش الآمال، وإقامة جغرافيا نعتز بالانتماء إليها، وتهيئ أجواء نتلذذ بتنسم هوائها.
وفي الأخير فلا أدعوك إلى قليل من الصبر بل إلى مزيد من الصدق. ولا أطلب منك بعضا من الصمود بل كثيرا من البساطة والسلاسة. ولا أدعوك إلى أن تكوني عنيدة قوية بل أتمنى عليك أن تبقي لطيفة أبية. ولا أسأل لك الحماية من أذى الأشرار، بل أدعو الله لك المناعة من غواية الدرهم والأورو والدولار. كل ذلك حتى لا تتطاير شظايا كلماتك الرقيقة على صخرة الواقع القاسية، بل حتى لا يراق على جوانب حروفك وسطورك دم الغفلة والانكسار فالاندثار، كما حصل مع أصدقائنا من رفاق الأمس، حل الله عقد ألسنتهم وبوأ أقلامهم وصحائفهم مقعدا لائقا بين أقرانهم. فلتظلي كما أنت ولتهنئي بما أنت.

الأحد، 7 ديسمبر 2008

الأخلاق والمهنية

سألت زميلا صحفيا عن سبب تخليه عن وعد قدمه لي، فأجابني: «الصحافة هي المهنية قبل الأخلاق»، وإذ أفاجأ بهذا المفهوم الملتبس لأرقى وأهم وأخطر المهن والتي صنفها الأذكياء سلطة رابعة، أجدني مرة أخرى أمام سلوك شاذ يتعذر علي استيعابه، وأمام سؤال محير: هل هناك مهنية بلا أخلاق؟ وقد صدمت فعلا كوني مرهفة جدا أمام تلك الأخطار المبهمة التي تحف بك وتفاجئك وصدمات الرفاق التي لا تأتي دائما من الجهة غير المتوقعة، لذلك حملت سؤالي أحترق به وتوقفت لحظة أنظر إلى عيون كلبي «روميو» وأسأله: «هل الوفاء شيمة الكلاب دون العباد؟». أنا لم أدرس الصحافة، لكنني أحببتها من خلال أسماء رائعة جعلتني لسنوات أدمن قراءة الجرائد وتتبع الأخبار وقص ما يروق لي من الزوايا والأعمدة، أسماء اشتغلت بنبل وكتبت بمداد الحب والاحترام والمسؤولية والمصداقية والعفة.. وبكل ما أوتيت من أخلاق. صحفيون كانوا يحملون أقلاما من الجمر، غامروا بأرواحهم ومستقبلهم وأولادهم وصحتهم من أجل صحافة حرة نزيهة، كريمة صادقة، وبذلك استحقت أن تسمى وبجدارة مهنة المتاعب، لما تجلبه من عناء ومشقة ومشاكل وحروب لرجالها الشرفاء.. هذا هو المفهوم الوحيد الذي لطالما أغراني وجذبني إلى عالم الصحافة وجعل الصحفيين محط احترامي واعتزازي وتقديري وانبهاري.. أما أنّ «الصحافة هي المهنية قبل الأخلاق» فأنا أرفض ذلك ولا يمكن أن أتبنى هذا المفهوم أو أؤيده، لأن لا مهنية دون أخلاق، وكل مهنة هي رائدة بأخلاق مهنييها سواء كانت طبا أو هندسة أو محاماة أو فنا أو قضاء، وما غير ذلك لصوصية وكذب وادعاء وافتراء وجبن وضعف وكذب واستغلال وبؤس واصطياد في ماء عكر. يمكنك أن تفهم هوية الناس الذين يمرون أمامك، لكنك أبدا لا تتوقع ماذا يخفون.. قد يتراجع أحدهم عن كل مبادئه بسهولة ويسر ويتنكر لها.. وقد يغير مفهوما علميا أو فلسفيا أو دينيا لمجرد تبرير أخطائه. لذلك إن وعدني أحدهم مستقبلا بأمر يخص العمل سأسأله مسبقا إن كان يعمل بمهنية بلا أخلاق، أو بلا أخلاق ولا مهنية أو بأخلاقيات المهنة قبل أن أثق به وأتعرض لمكره.