السبت، 26 يونيو 2010

لست مسيحية

هناك إشاعات كثيرة تطارد المرء في حياته، وأحيانا تلاحقه إلى قبره.. بعضها يمكن تجاهله والبعض الآخر يكون مدمرا وفتاكا قد يحطم عائلة أو يؤذي كائنا.وللإشاعات مدبروها ومستمعوها وعشاقها ممن لا شأن لهم سوى تتبع أخبار الناس والكيد لهم، أولئك الذين ينامون ويصحون على وجبات النميمة والنبش في أسرار العباد وخصوصياتهم.وشخصيا، لازلت أبتسم حينما يسألني أحدهم عن حال زوجي بعد إشاعة زواجي بأحد الممثلين، وأتوصل دائما برسائل تسأل عن اسمي التوأم الذي أنجبته، فيما الحقيقة أن التوأم يتعلق بفيلم «تسعة شهور» الذي لعبت فيه دور أم تنجب توأما وليس بالحقيقة، والكثيرون واثقون من أنني متزوجة بفرنسي وأعيش بباريس، فيما أنا أقيم بالدار البيضاء مع أهلي، أما كلبي روميو فلم يسلم هو أيضا من إشاعات مغرضة مسيئة إلى «حيوانيته»، لكنها مضحكة ومسلية لا تخلو من دعابة.كل هذه الإشاعات والأقاويل لا تستحق أن يقف عندها المرء طويلا، خصوصا في مجتمعنا حيث «اللسان ما فيه عظم»، لكن آخر ما «أنتج» حولي يجعلني أعبر عن امتعاضي ورفضي بقوة أن يروج موقع يخص المسيحيين أنني أصبحت مسيحية، لأنني مسلمة وأحمد الله كل لحظة على نعمة الإسلام، وأشكره لأنني ولدت في بيت مسلم ببلد مسلم.الحكاية بدأت حينما توصلت برسالة، عبر موقع الفايسبوك، من قارئ مغربي يقطن بفرنسا يسألني إن كنت قد أصبحت مسيحية، لم أهتم بالرسالة في بادئ الأمر، اعتقدت أنها مزحة، لكنني أجبت ساخرة «الله ينجيني».. لكن القارئ لم يكن يمازحني، فقد بعث إلي برسالة مطولة وضمنها موقعا على الأنترنيت للتبشير وقد وضعت صورتي وكتب عليها «بشرى من المغرب، تنصرت»، بالإضافة إلى صور لأناس آخرين في الغالب قد تعرضت صورهم للاستغلال دون علمهم.والمسلمون يؤمنون بكل الأنبياء والرسل، وبكل الكتب السماوية كما جاء في سورة البقرة «آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه، والمؤمنون كل آمن بملائكته وكتبه ورسله، لا نفرق بين أحد من رسله»، لذلك فأنا أومن بالمسيح وبأمه مريم.. لكنني مسلمة أومن بالله وبالحبيب محمد صلى الله عليه وسلم.وإذ أشكر القارئ الكريم لإخباري بهذا السلوك المنحط المتستر بغطاء الدين، يحضرني إلى أي درجة اهتمت كل الأديان بالكائن البشري وبخصوصياته وأسراره، وكيف حرصت على احترام المرء لحرمة أخيه، وكيف نبذت الكذب والزيف والزور والباطل، لذلك أستغرب سلوكا يصدر عن أشخاص باسم الدين، وباسم المسيح وقد يكون مصدر أذى بالنسبة إلي، فلو قرأ الخبر أحد المتطرفين دون أن يسأل أو يفهم، فقد يتهمني بالردة ويستبيح دمي، أنا التي لا أفارق سجادة الصلاة ولا القرآن وأحفظ من الأذكار ما لا يحفظه بعض المنافقين الذين يدّعون النصح والإرشاد وبمجرد مناقشتهم تكتشف أنهم لا يحفظون سورة واحدة من كتاب الله.هناك الكثير من الأشخاص مسكونين بالشر، شياطين الإنس يكذبون ويزورون ويخلقون الإشاعات ويروجونها، فاحذروهم واحذروا أن تقعوا في شباكهم، فقد قال الله تعالى في سورة الحجرات:«يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين»، صدق الله العظيم.

جائزة الجمهور

إلى عائشة مناف
لم ألتقي عائشة منذ عشر سنوات, حينما اجتمعنا في سلسلة 'تيغالين' حيث مرحنا كثيرا و تفاءلنا خيرا بانفتاح قناتينا التلفزيتين على مخرجين جدد, وعلى أشكال أخرى من الدراما و الإبداع الفني..كان طموحنا لا حدود له, وكنا نتحدث لساعات عن المستقبل و كيف سيكون مختلفا ويعد بالكثير, خصوصا و أن فيصل العرايشي حينها كان للتو قد أصبح الرجل الأول بدار البريهي, وطبعا كان خبر كهذا كفيل بإدخال الفرح و الأماني على قلوب العديد من الفنانين و المبدعين..لم نلتقي منذ زمن و كنت فقط أتابع أعمال عائشة و تميز أدائها و تطور مستواها من عمل لآخر, دون أن تخص بأية متابعة إعلامية أو حوارات صحفية أو صور على الأغلفة.
كانت تبدع في صمت مثلها مثل العديد من الفنانين الهادئين الخجولين الذين قلما تنتبه إلى وجودهم خارج الأعمال التي يقدمون, تماما عكس أولئك الذين لا يقدمون شيئا و هم دائما حاضرون.لذلك الكثيرين لم يحفظوا إسم عائشة إلا بعد انتشار خبر مرضها, و الذي للأسف لم يتم الإعلان عنه بهذا الأسلوب الفج إلا بعد أن أنهكها المرض شافاها الله و عافاها بإذنه تعالى و بدعواتنا جميعا لها بالشفاء و الصبر.
حينما نحلم بالشهرة و بتصدر عناوين الصحف و الأخبار فإننا نحب أن تكون مقالات عن نجاحاتنا و أعمالنا, عن أفكارنا و آرائنا و ليس عن آلامنا و خساراتنا و صدماتنا لذلك أجد تلك الصور التي تناقلتها الصحف و ذاك الربورطاج المؤلم تسيء لعائشة أكثر مما تخدمها, لأن مرضها ليس مادة تباع و تشترى و صورها و هي مريضة ليست للإثارة و دغدغة المشاعر..فهي فنانة محترمة لطيفة و ذكية, جميلة كما عرفناها دائما ليس من عذر للتشهير بمرضها بهذا الأسلوب اللاإنساني, وقد علمنا بمرض العديد من الشخصيات الفنية و السياسية و الرياضية عبر العالم و لم تعرض جراحهم هكذا مفتوحة على الملأ.
وإن كان عذر هذه الزلة تعاطف الناس مع عائشة في محنتها, فهناك أساليب أخرى أكثر إنسانية تحترم عزتها و كرامتها و إحساسها.
والفنانة عائشة مناف لم تكن في الواقع في حاجة إلى أن يتسول لها أحد, لأنها عضوة منخرطة في التعاضدية الوطنية للفنانين التي يرأسها محمد قاوتي و بالتالي فمن حقها كمنخرطة و كفنانة الاستفادة من التغطية الصحية و السؤال الحقيقي هو لماذا لم تتحمل التعاضدية مسؤولية هذا الملف في صمت كي تحمي عائشة من هذا التشهير و الاستغلال و ترحمها من ألم الحاجة خصوصا في ظروف مرضية صعبة كهاته, وما قيمتها إن لم تسعف فنانة مريضة تحتاج الدعم و المتابعة, ولم لم تصدر أي بيان للشرح و التوضيح..هذه هي الأجوبة التي نريد سماعها..
المرض يولد الوحدة, والوحدة تجعلك يائسا حزينا و جريحا..لذلك لا تتركوها وحدها..أرجو من كل الفنانين و الشخصيات الإعلامية أن يزوروها, لأن الفرحة تزهر في عينيها و لأنها تحب أن تلتقي الكثيرين ممن لم تسمح لها الأقدار بمصافحتهم أو تقديم أدوار معهم, فبمجرد وصول زائر تحضنه بقوة جسد نحيل و بصدق قلب لازال ينبض حبا للناس وتمسكا بالحياة.
لقد اهتزت مشاعر كل المغاربة لهذا المصاب, وعبروا بعفوية عن حبهم و دعمهم لفنانيهم, وردوا الاعتبار لعائشة ولو على سرير المرض, منحوها جائزة الجمهور عن كل أعمالها, حملوا صورها ووضعوا لها صفحات على الانترنيت ويرفعون أكفهم بالدعاء لها بالشفاء, الآن على الفنانين المغاربة خصوصا الممثلين أن يردوا الاعتبار لأنفسهم ويخرجوا قضيتهم إلى النور ويعلنوها على الملأ, ويطالبوا بحقوقهم التي ينهبها أشباه المنتجين و يضعوا سلما للأجور يضمن لهم حقوقهم و يحميهم من جشع المتآمرين, أتمنى أن يعلن الممثلون سنة 2011 سنة بدون ممثل و يوقفوا التعامل مع سماسرة الفن إلى أن تسوى وضعيتهم بما يحمي كرامتهم ويجعلهم في غنى عن التسول الصامت و العلني.في انتظار ذلك, نسأل الله أن يشفي عائشة و يديم بسمتها ورضاها و صبرها إنه على كل شيء قدير.

السعادة تنتزع

لم تعُج المقاهي فقط بالرجال؟ لم يركضون زحفا نحوها لمشاهدة مباريات كأس العالم؟ لم تُعلن حالة الطوارئ منذرة بحرب باردة غداة كل بطولة كروية؟
لم تكره النساء الكرة و تَغير من هذا الدخيل المزعج الذي يبعد الرجال عن البيوت و يجعلهم يسيطرون على المقاهي و يحتلون جنباتها و يعلنون العصيان و التمرد إلى نهاية البطولة؟
لماذا هذا الموقف السلبي الغامض الذي اتخذته النساء -خصوصا العربيات- من كرة القدم, ومن رياضات أخرى خلقت معها عداوة مجانية لا تفسير لها؟ و أصبحت هاجسهن الدائم و أزمتهن الأزلية؟
في الواقع أجد كرة القدم ممتعة جدا, خصوصا إن كان الفريقين ممن يهدونك الفرجة و المتعة و التقنية العالية و الروح الرياضية القيمة, خصوصا إن كانوا يستميتون من أجل قميص الوطن و علمه و شعاره ولونه ورائحته, وطبعا بطولة ككأس العالم لكرة القدم لا تنظم كل سنة, لذلك فهي فرصة لتغيير روتين البيوت و لبعث شيء من المرح في جنباتها الباردة حتى ولو تم ذلك بصوت مزعج لمزمار "فوفودزيلا" الجنوب إفريقي, و بصرخات الأبناء و الأزواج وتمردهم و بعثرتهم للأثاث 'الصالون' المجهز دوما لاستقبال ضيوف سنويين قد لا يأتون.
لست أدري من وضع هذه القسمة , كرة القدم للرجال و المسلسلات التركية للنسوة, وبرامج التلفزيون الواقعي للشباب و الأطفال تائهون بين اختيارات الكبار, فيما أعتقد أن تلك الساعات القليلة التي يمكن أن تلم الأزواج يمكن أن يستغلوها في متع مشتركة كأن يشاهدوا مباراة في كرة القدم معا, لم لا؟
لم لا تشاهد النساء مباريات الكرة رفقة أزواجهن عوض طردهن نحو المقاهي, أليست لحظة سعادة ممكنة, أليس الأمر مسليا يكسر الرتابة؟
في بداية الارتباط بين الأزواج يظهر كل طرف اهتماما مبالغا و صوريا بكل ما يخص الآخر, لكن الحقيقة المرة تظهر بعد حين, حينما يعيشان تحت سقف واحد, ويصر كل طرف على الغياب من حياة الآخر و يبحث كل واحد عن ملاذ لتبدأ الخسارات الموجعة و الصدمات, ويعيش كل منهما وحيدا وهم اثنين.
الحياة الأسرية و الاجتماعية الإنسانية مبنية أساسا على مفهوم الاشتراك و الاقتسام و التواطؤ و الأخذ و العطاء,مبنية على الأنا و الأنت و النّحن,مبنية على أشياء بسيطة لا مرئية تمنح سعادة لا توصف, تزهر الروح وتبعث السكينة و الألفة و الأمان و تجعل تلك الأعمال اليومية الرتيبة بطعم آخر و لذة مختلفة.
السعادة ممكنة, لأنها متماهية مع تفاصيل الحياة البسيطة, كأس شاي, مباراة كرة, نزهة شاطئية, عبادة ليلية, صوت يشدو, طفل يلعب, نجاح غير متوقع, كلمة طيبة, حضن حنون..
والسعادة أيضا تُنتزع, تأخذ غصبا من جبروت الأيام و قسوة القدر, من قهر الزمن, من غدر الأيام, من قسوة القلوب و خيانة الذمم..
تسحب لحظات من وسط هذا الزحام ..هذا الركض اليومي نحو خط النهاية, فالكائن الوحيد الذي يركض نحو حتفه مسرعا هو الإنسان.
لابأس إذن لو اقتسمت النسوة متعة كرة القدم مع أزواجهن عن طيب خاطر, عن رغبة في اقتسام فرحة فوز أو حزن عابر لمباريات عابرة هي المتنفس الوحيد لرجال قلما يفرحون أو يضحكون أو يلعبون..لا هوايات لهم غير هذه الكرة الصغيرة و التي وحدها لازالت قادرة على إسعادهم بسحرها الخاص الذي سلب العقول عبر العالم .
كم أشعر بالأسى لأن لا علم لنا يرفرف هناك, وكم أشعر بالضجر لأن تلك البطولة كان من الممكن أن تنظم هنا..
أليست آلاتنا الموسيقية أعذب و أشجن و أحلى من الفوفودزيلا؟

الثلاثاء، 1 يونيو 2010











شمس روتردام

حينما توصلت بدعوة لأشارك كعضولجنة تحكيم بمهرجان السينما المغربية بروتردام، تذكرت ذاك البحث الذي صنف المغاربة بإسبانيا من أشد الشعوب تشبثا بهويتهم وبأصلهم وبلدهم، وفعلا مغاربة هولندا لا يختلفون عن مغاربة العالم في شيء، فاندماجهم في البلدان المضيفة لم ينسهم «ريحة لبلاد».لذلك فتنظيم مهرجان يحتفي بالسينما المغربية بروتردام والمدن المجاورة لها تعبير عفوي من مغاربة جمعية الجسر، وعلى رأسهم الكاتب والممثل المغربي المقيم هناك المحجوب بنموسى، عن تلك العلاقة الجميلة التي تربط المغاربة ببلدهم رغم البعد والألم والمعاناة والمنفى، ورغم الصمت والتهميش وعدم الاعتراف.ففي الوقت الذي حضر فيه حفلَ الافتتاح قائدُ حزب العمل محافظ بلدية روتردام الهولندي غاب القنصل العام للمملكة بروتردام حفيظ بنشمسي، ولم يحضر إلا في الاختتام ربما مضطرا لمرافقة عمدة المدينة المغربي أحمد أبوطالب.ولم يحضر الافتتاح أي مسؤول مغربي، لا من الوزارة الوصية على الهجرة والمهاجرين ولا من المكلفين بالجالية بالخارج ولا من الأوصياء على الثقافة ولا السياحة ولا السينما..لا أحد. فيما افتتح المحافظ الهولندي كلمته بالسلام عليكم واختتمها بشكرا في بلد يعرف صراعا خطيرا حول المسلمين والإسلام وينتمي إليه رجل يدعى «خيرت فيلدرز» يشن حملة كبيرة ضد المسلمين ويصرح بأن لا محل للإسلام بهولندا.وإذا علمنا بأن مغاربة روتردام يبلغون 40000 ومغاربة هولندا 400000، سنستوعب ما تشكله الجالية المغربية هناك من قوة على المستوى الاجتماعي والسياسي. وطبعا، هناك يعتبرون الثقافة سياسة وليس مرحا ولعبا وعبثا، لذلك يراهنون عليها، وتدعم البلدية هناك مهرجانا مغربيا داخل أراضيها تغيب عنه، للأسف، أي تمثيلية رسمية مغربية. لكن حضرت السينما وحضرت أسماء وازنة من الرواد والشباب، مثلت المغرب برقي والتزام وشموخ واستقطبت جماهير غفيرة من المغاربة الذين يحبون هذا الوطن دون جهد أو مساومة، حب حقيقي عفوي وصادق رغم الغربة والاشتياق والحرمان.في روتردام لوحدها أكثر من 164 جنسية، أغلبهم مسلمون لذلك يشن «الحزب من أجل الحرية» حربا شرسة ضدهم وضد الإسلام. وطبعا، المغاربة أول من يعاني من هذا التضييق. وهناك انتخابات برلمانية في التاسع من يونيو بهولندا يترقبها الجميع بخوف. وللأسف، لا يستطيع كل المغاربة التصويت إلا حاملي الجنسية، لذلك في حالة فوز حزب خيرت فيلدرز بـ26 مقعدا ستكون ضربة أليمة للمغاربة والمهاجرين المسلمين، فهو القائل: «إذا أراد المسلمون البقاء في هولندا عليهم أن يمزقوا القرآن لنصفين»، وهو صاحب فكرة فيلم «فتنة» الذي جر الفتنة على مخرجه وعلى مسلمي هولندا.كل هذه المعطيات تبين أهمية مهرجان سينمائي مغربي يقام في هذه الفترة الحرجة بقاعة سينمائية جميلة وسط روتردام ويحضره وفد هام من ألمع الفنانين المغاربة ويكرم نعيمة المشرقي ومحمد حسن الجندي وثريا جبران بحضورهم، لكن تغيب أي تمثيلية رسمية للمهاجرين وللثقافة والسينما، ويغيب السفير المغربي بهولندا، فلا حضور ولا كلمة يبعث بها ولا حتى اتصال أو ترحيب بالوفد المغربي.. لا شيء مطلقا..لحسن الحظ أن هناك مغاربة رائعين، يحملون هذا الوطن بداخلهم مع حقائبهم وجوازات سفرهم..لحسن الحظ أن هناك مغاربة مثل المحجوب بنموسى وأحمد الصغير ومحمد الحراك، الشرطي المغربي في صفوف الأمن الهولندي، الذي تشعر بالفخر والاعتزاز أن شبابنا هناك ليسوا فقط منحرفين فاشلين، بل هم من يحمي أمن العباد..لحسن الحظ أن طفلا صغيرا قادما من الريف المغربي مهاجرا خائفا باكيا إلى روتردام، يمكن أن يصبح عمدة المدينة يلتقط معه المواطنون الصور كنجم من نجوم هوليود.. هو نجم هذا الوطن، عمدة روتردام أحمد أبوطالب الذي ترأس حفل الاختتام وحفل التكريم والعشاء، والذي سأخصه بعمود كامل مستقبلا.حينما حللنا ضيوفا على روتردام سطعت شمس حارة عذبة لم تعرفها المدينة منذ زمن، فكنا نفتخر بأننا جلبنا شمس المغرب لتدفئ هولندا، لكن برحيلنا حل الضباب والغيم وكأن الشمس غابت بعودتنا.. ليعود مهاجرونا إلى عملهم ويعود إلى المدينة طقسها البارد ونعود نحن بالكثير من الأحاسيس والذكريات..وباللوم والعتاب والغضب على من لا يحملون همّ هذا البلد.

فوبيا الكبر

لست أدري لمَ يحب المغاربة كل الأشياء الكبيرة، لمَ هذا الميل إلى الحصول على أكبر الامتيازات، بناء أكبر الفلل، تشييد أكبر الإدارات والاستديوهات والمباني والمساجد.. لمَ نحب أن نتباهى فقط بالكبر في المساحات وليس في الإنجازات.. فاليوم، سيرفرف بمدينة الداخلة «أكبر علم في العالم» والذي سيحطم به شبابنا الرقم القياسي العالمي الذي في حوزة الصهاينة. أكيد أن للفكرة دوافع أخرى، سياسية ووحدوية، مادامت ستتحقق على أرض الصحراء في هذه الظروف الخاصة التي تمر منها قضية وحدتنا الترابية.. لا بأس، إذن، إن احتل علمنا موقعا في كتاب غينيس للأرقام القياسية العالمية، لكننا نطمع في أن نحتل مراتب متقدمة أخرى في العلوم والآداب والإعلام والصحة والتعليم والتنمية، فلماذا ننجز أكبر كسكس وأكبر جلباب وأكبر طاجين ولا نبني أكبر جامعة أو أكبر مستشفى أو أكبر مصنع أو أكبر حي جامعي أو أكبر حديقة أو أكبر مسرح.. لماذا لا نحقق «أكبر» قفزة في الميادين الحقوقية والقانونية والاجتماعية والأسرية ويكون المواطن هو «أكبر» مستفيد من الامتيازات الكبرى التي ستمنحله.لا أفهم هوس الكبر عند المغاربة والمرتبط أساسا بالشكل أو الظاهر وليس بالقيمة أو النتيجة أو الإنجاز.. مبان ضخمة لوزارات بميزانيات فقيرة، مؤسسات كبرى بخدمات صغيرة، بيوت كبرى بدفء أقل وحب منعدم، سيارات فارهة تعبر طرقات ضيقة مخيفة.. تناقض لافت وارتباط مرضي غريب بين النجاح وإثبات الذات والكبر.في دبي، مثلا، للبذخ والغنى مظاهر شتى أبرزها الاستعلاء والتباهي والكبر، فالمدينة تكشف غناها دون خوف من الحسد، أكبر الأبراج في العالم، أكبر المحلات التجارية، أكبر الفنادق وأكبر الحدائق والمنتجعات وأكبر المكتبات والقصور وأكبر السيارات والطرقات.. وأكبر الرواتب.نحن بلد المتناقضات بامتياز، لدينا ما يكفي من الكبر والصغر لتشكيل صورة غرائبية قلما تجدها في باقي المجتمعات، حتى بلغت فوبيا «الكبر» كل الطبقات والفئات والأعمار، وأصبح صغارنا يقيسون قيمة الأشياء بحجمها وليس بضرورتها وفاعليتها، حتى حجم آبائهم ورمزيتهم أصبحوا يقيسونهما برؤية مادية محضة ستظهر نتائجها في السنين القادمة حين سنحصد ما زرعناه بداخل أبنائنا من «قيم».الكرم يقاس بعدد الأطباق وكبرها، الحب يقاس بعدد الهدايا وكبر قيمتها، الذكاء والفطنة والدهاء تقاس بأرقام الحسابات البنكية وأكبرها، حتى حب الوطن يخضع لما يعطيه الوطن وليس لما يقدمه المواطن.فوبيا غريبة لا تخضع لمنطق ولا لعقل أو إحساس، قد تتبدد مع مرور العمر حينما يكتشف المرء أنه وحده كبر العمر لا أحد يسعى إليه أو يتباهى به.

الزمن الضائع

قيل «الوقت من ذهب» فجاء الجواب «لا بل أغلى من الذهب»، لذلك سارع العلماء إلى اكتشاف طرق وأدوات اتصال وتنقل لتسهيل الحياة وتيسيرها، ليكسب المرء وقتا يستغله في ما يفيده ويفيد مجتمعه والإنسانية جمعاء.. سيارات وطائرات وهواتف ثابتة ونقالة وشبكات عنكبوتية، أجهزة مبهرة وآلات تحكم عن بعد تشتغل لوحدها دون عناء وأزرار لا تعرف سوى الطاعة والاستجابة، مئات الآلاف من الاختراعات الذكية والعلمية احتلت البيوت والشوارع والإدارات.. لكسب الوقت، يستوردها «العقل العربي» ويوظفها بأسلوب مختلف ورؤية عبثية لتصبح كل هذه الاختراعات، التي شكلت نعمة لشعوب أخرى، نقمة على شعوبنا.هناك سياسة وثقافة للهدر أصبحت عنوانا لنا، الهدر المدرسي والهدر البيئي وهدر القيم والأموال، وهدر الوقت والزمن.جولة صغيرة بمدننا، بشوارعها ومحلاتها ومقاهيها ستعطي لأي زائر صورة واضحة عن تعاملنا مع الوقت والزمن.موعد بسيط روتيني مع أي صديق أو قريب، موعد رسمي مع أي مسؤول..مرور عابر أو مضطر بأي مصلحة أو مكتب أو إدارة.. يبرز لك بشكل مستفز قيمة الوقت في مجتمعنا.فرغم تطور الاتصالات والمواصلات، واعتماد سياسة القرب وتجديد المكاتب والإدارات، و«تشبيب» أطرها لم يتغير أسلوبنا في التعامل مع الوقت من خلال احترام المواعيد وتنظيمها وضبطها وتركيز المجهودات واعتماد مبدأ الإتقان.يحمل شبابنا آخر صيحات الهاتف النقال، لكنهم لا يوظفونه لما اخترع من أجله، بل «اخترعوا» له وظائف أخرى جعلته لسوء حظه يتحول من جهاز لكسب الوقت إلى جهاز لتضييعه، نفس المصير بالنسبة إلى الحاسوب.هناك العديد من الناس يعيشون فراغا قاتلا، لأنهم لا تستفيدون من وقتهم، يقضون يومهم في انتظار أن تنتهي ساعات العمل.. ولا يعملون.في تأجيل التزاماتهم وتكديسها فلا موعد لإنهائها ولا لتسليمها.ينتظرون حياة أخرى كي يعيشوا ويفرحوا وينتجوا ويبدعوا ويخططوا، وحينما يدركون أنهم بلغوا نهاية الطريق ولم يفعلوا شيئا.. يكون ما بقي من العمر قصيرا.الوقت شيء لا مرئي تحسه فقط حينما يغير الزمن معالم وجهك، ويقِل عمرك، فمادام الموت حتميا فالأفضل أن ننجز أعمالا تبرر حياتنا وتعطيها معنى وقيمة.حينما نعلم أن هناك حافلات باليابان تنطلق على الساعة العاشرة و3 دقائق، وفعلا تحترم الدقائق الثلاث، ومتاجر تفتح في التاسعة و7 دقائق لا أقل ولا أكثر، ونقارن بينها وبين مواعيد مستشفياتنا وعيادات أطبائنا ومحامينا.. يجب أن نشعر بالخجل.وحينما نعلم أن هناك عالما مصريا اسمه «أحمد زويل» اكتشف أقصر مدة زمنية عرفتها الإنسانية حتى الآن وهي «الفيمتوثانية» وحصل بفضلها على جائزة نوبل للعلوم سنة 2000، سنشعر أيضا بالخجل لأننا لا نضيع فقط ثوانيَ أو دقائق، بل ساعات وأياما وسنين، في التمني والثرثرة والعبث والفوضى، في النميمة والحقد والحسد والتشفي، في الاستهلاك دون إنتاج، في التذمر والشكوى والتطفل.قال أحدهم للدكتور «طارق السويدان» كما روى: «أنام 14 ساعة في اليوم»، فردّ عليه «ولماذا أنت موجود، مت أفضل»، ثم قال: «تمنيت لو نستطيع شراء الوقت من هؤلاء الذين لا حاجة بهم إليه.. تمنيت لو كان الوقت يشترى،لاشتريته».