كلما نزلنا ضيوفا على إحدى المدن لحضور ملتقى أو مهرجان فني نفاجأ بعدم وجود ولو قاعة سينمائية يتيمة، فكل قاعات المملكة إما أغلقت أو هدمت، وبالتالي فإننا نقدم عروضنا في ظروف بدائية وبحضور فنانين ضيوف ندعوهم إلى أن يكونوا شهودا على مغرب الثقافة والفن والبناء. لست أدري من اخترع شعار «مغرب البناء والتشييد»، في الوقت الذي تهدم فيه أغلب القاعات السينمائية من شمال البلد إلى جنوبه، إنه «مغرب الهدم والتخريب». المثير في الأمر أن معظم الدول تسعى إلى تشييد قاعات سينمائية جديدة ومعاهد فنية لما للفن من دور أساسي في الرقي بالمجتمعات، لكننا نحن نهدمها بدون أسف ونبكيها في البرامج المناسباتية التي تسبق كل انتخابات، كما نبكي العديد من المكاسب التي حصلنا عليها وضيعناها. مدينة الناظور ليست أحسن حظا من زميلاتها.. آخر قاعة سينمائية فيها هدمت قبل شهور.. يبدو الموقف كمأتم حينما يشير أحدهم إلى مكان مليء بالأحجار والأتربة ويقول متأسفا: «هنا كانت قاعة السينما الموؤودة»، فتباغتك أسئلة مخيفة: «من هؤلاء الجلادون الذين يغتالون الوطن، من هؤلاء المتواطئون الذين يجهزون على الفن والثقافة والإبداع ويخنقون السينما؟ من رخص لهم بهدم معالم ثقافية وقاعات سينمائية أثرية تعتبر مفخرة للوطن؟ من فوض لهم جسد البلد يقطعون أطرافه كما يشاؤون. حينما تدخل مدينة تتعرف إليها من خلال مكتباتها ومسارحها وقاعاتها السينمائية، من خلال أسواقها وشوارعها وسائقيها، من خلال أزقتها ومقاهيها. أما مدننا فنعرفها من خلال أكوام الحجر والتراب الملقاة في كل زواياها، كل من هدم شيئا يتركه ويمضي، لا من يحاسبه ولا من يعاقبه. آثار جرائم وأد القاعات السينمائية لازالت لم تبرح مكانها في كل المدن التي مرت بها قوافل المخرجين والمنتجين والممثلين الذين يضربون كفا بكف وهم يتفرجون على قاعات العرض التي تسقط واحدة تلو الأخرى. وأما إحصائيات المركز السينمائي المغربي فتنذر بانقراض القاعات في السنوات القادمة إن استمرت وتيرة الهدم على ما هي عليه. لا أحب عقد المقارنات لأنها، أحيانا، تبدو جارحة وغير منطقية، وفي أحيان كثيرة مضحكة ومثيرة للسخرية. لكن مدينة كالناظور، التي توجد على مرمى حجر من ثغرنا المحتل مليلية، يجب أن تكون في مستوى الجوار وفي مستوى الجغرافيا التي جعلت منها معبرا يوميا للقادمين والمغادرين. يجب ألا تكون أقل وزنا وتنظيما وجمالا وفنا من أختها المحتلة. كيف لأبناء الناظور الذين يحبون الموسيقى أن يذهبوا إلى مليلية للتسجيل في المعهد الموسيقي وأخذ دروس العزف والصولفيج هناك؟ كيف يعقل هذا؟ الظلام هنا والضوء هناك.. الهدم هنا والبناء هناك.. البطالة هنا والشغل هناك.. الفن هناك والسينما هناك والتعليم هناك.. كيف يعقل أن تصاب المدينة بالإغماء وتدخل في غيبوبة مفتوحة بمجرد أن أقفل الإسبان أبواب التهريب بعد أن عاشت المدينة سنين طويلة على الفتات؟ الهدم.. إنه سهل جدا.. ما يلزمنا هو البناء. أين سيذهب محبو السينما وكيف سيشاهدون الأعمال السينمائية؟ كيف ستتكون لديهم ثقافة المشاهدة وانضباط القاعة، كيف؟ وإذا كان لسكان الناظور متنفس اسمه مليلية المحتلة، فأين سيذهب سكان المدن الأخرى؟ لا بد أنهم سيصرخون مع محمود درويش: «لا سينما في البلد ولا مسرح في البلد ولا بلد في البلد ضجر والله ضجر». كتبت مقالتي وأنا في سيارة أجرة تقلني من الناظور إلى مطار وجدة رفقة الممثل يوسف بريطل، فاستوقفنا دركي وطلب وثائقنا الثبوتية. نزل السائق ثم عاد بعد أن سلم إلى الدركي عشرة دراهم على الطريق الساحلي قريبا من ملوية. ضجر والله ضجر..
أكبر تجمع لمحبي ومعجبي مبدعة السينما المغربية الفنانة بشرى إيجورك على الانترنيت
الأحد، 24 مايو 2009
الاثنين، 4 مايو 2009
الفنانة بشرى ايجورك بالمهرجان الدولي للفيلم القصير والبرنامج الوثائقي بالدار البيضاء
اثناء حفل الاختتام مع احدى المعجبات
بيوت بلا ألوان
بشرى ايجورك
منذ الطفولة يسكن الفتيات حلم يتجسد في ثياب العروس البيضاء الطويلة، وباقة الورد الحمراء المحمولة بيد يغطيها قفاز أبيض، وتاج ذهبي يوضع فوق رأس تعلوه تسريحة خاصة لا تليق إلا بعروس فاتنة، تنتظر البنات سنين قد تطول أو تقصر لتتزوجن ويتحقق الحلم.. هناك من تلبس ثوب العروس وهناك من تتخلى عنه وتلبس فقط خاتما يترك أثرا في اليد والقلب والذاكرة، والأكثر حظا من تضع يدها في يد من تحب.. إنها، فعلا، لسعادة استثنائية أن تنجب امرأة من رجل تحبه وتقدره.. لكن الغريب أن الزواج بالنسبة إلى معظم المغربيات هو نهاية مشوار وليس بدايته، هو قدر سيىء لا هروب منه، هو امتحان حياة لا بد من اجتيازه، هو فريضة دينية واجتماعية لا مناص من القبول بها. لذلك، وبمجرد أن تُقرأ الفاتحة وتتسلم الفتاة عقد زواجها, تتحول إلى زوجة بمهنة خادمة وتتخلى، وبشكل سريع، عن كل عاداتها الجميلة (إن كانت لديها)، وتغرق في أشغال البيت والعمل الروتينية. هناك بيوت بلا ألوان ولا أحلام ولا قصائد ولا نغمات ولا أطباق حلوى ولا ورود ولا شموع مضيئة ولا كلمات حب ولا أدعية.. بيوت بلا ألفة ولا رحمة ولا رأفة ولا محبة ولا اشتياق.. معظم النساء يعتبرن الزواج معركة، لذلك تشهر المرأة لسانها لتلسع به خصمها عند كل نقاش, تذكر زوجها بكل نواقصه، بماضيه وحاضره، بأهله وملته، بجيرانه وأصدقاء عمله، بمساوئه وخساراته.. ليس هناك من شيء يفسد كل ود بين الأزواج أكثر من الإهانة والتجريح والتنكيل والاحتقار والغدر والكذب، إنها أخطاء جسيمة تكسر كل شيء.. يتعذر إصلاحها إلى الأبد. هناك أزواج يتحاشون النظر إلى بعضهم، لا يربطهم أدنى شيء.. يعيشون خصاما مفتوحا إلى آخر العمر، في بيت مظلم كالسجن لا يطاق.. هناك من يعيشون كأنهم في آخر أيامهم, روتين قاتل و برودة مؤلمة, ومشاعر كالرماد لا حرارة فيها.. فالقلب إن لم ننعشه بحب جارف، يتصلب مع الزمن ويصبح كالحجر، ككتلة جليد.. كقطعة رخام.. هروب الرجال من البيوت، الذي تحدثت عنه الأسبوع الماضي, له أيضا دوافعه، فقد أصبحت النسوة مسترجلات، لا ابتسامة ولا كلمة عذبة ولا طبق شهي معد بحب وذوق.. ألسنة تدمن التذمر والشكوى والجفاء ووجوه شاحبة باردة ومظهر مقرف، وحديث مجتر متعب حول المواضيع ذاتها وطلبات لا تنتهي.. فهناك نساء احترفن الأخذ.. ولا يفكرن أبدا في العطاء.. كيف لأزواجهن ألا يتركوا البيوت ويهيموا في الشوارع والمقاهي؟ كيف لهم أن يرتبطوا ببيت يشعرون بالغربة داخله؟.. بيت الزوجية الحقيقي هو ذاك الذي تحث الخطى إليه كأنك تسرع للقاء حبيب، تحمل إليه كل ما هو جميل، تدخله لتكون ضوءه ودفأه, حرارته وحميميته, تبعث داخله الطمأنينة والفرحة والإخاء، تندفع نحوه بكل مشاعرك هروبا من ضوضاء الشوارع وإنهاك العمل بحثا عن الهدوء والراحة والمآزرة.. وحضن آمن يضمك. بيت تجد فيه كل العزاء والكلمات المواسية التي تخفف إجهادك وأرقك وتوترك.. بيت يسكنك أينما ذهبت، بمجرد ابتعادك عنه تشتاق إليه، إلى كل أشيائك الصغيرة التي تركتها بداخله, إلى كل الأصوات والألوان والروائح.. إلى كل ركن فيه.. إلى روح تهيم فيه.. كلما ابتعدت عنه تضيق بك المدن والمقاهي والأرصفة، لأن لا حياة لك إلا بحضنه.
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)





