الاثنين، 30 مارس 2009

في انتظار قارئ


بشرى ايجورك
كل ما ينفقه المغاربة يوميا على «الثقافة» ستون سنتيما.. ستون سنتيما فقط, لا غير.. هكذا صرح التقرير المخجل للمندوبية السامية للتخطيط, نصف درهم هي قيمة ما يستهلكه المواطنون ثقافيا.. إنه فعلا البؤس الثقافي في أفقر تجلياته, ولا يبدو الأمر مفاجئا أو مخالفا للوضع العام للثقافة بالبلد, فما دامت الميزانية المخصصة لوزارة الثقافة لا تتعدى 0,29 من ميزانية الدولة بكامل هيبتها ووقارها, فكيف لا تعتمد الرعية نفس النهج وتضع أيضا الثقافة في الطابور الأخير من اهتماماتها اليومية الكثيرة والمتشابكة, وتعتبر الثقافة بكل أشكالها ترفا وتبذيرا لا بأس من الاستغناء عنه. معظم المغاربة لا يقرؤون الكتب, ولا يرتادون المسارح, هجروا قاعات السينما وقاطعوا دور الشباب والأندية الثقافية وعزفوا عن المشاركة السياسية..أين هم إذن؟ في المقاهي المتراصة على أرصفة التفاهة.. في الأسواق يهيمون, في الشوارع شاردين تائهين أشبه بالموتى.. أمام شاشات الحاسوب يبحثون عن الأوهام, أمام شاشات التلفاز يدمنون قنوات تروض على التفاهة والبلادة. لقد ولّى زمن كان الشباب فيه يتنافسون حول المعرفة والفلسفة والنقد والمنطق, وأسماء الكتب والموسوعات والمذاهب, و أتى زمن أصبحوا يتباهون فيه بأسماء العطور والمتاجر العالمية وآخر صيحات الموضة في قصّات الشعر والثوب واللحية.. كان الكتاب لا يفارق الأنامل, فعوضته الهواتف النقالة ومفاتيح سيارات التقسيط.. يفضّل عامة الناس أن يلوذوا بالمقاهي يحتسون قهوة سوداء كخيبتهم, يعانقون السجائر كأنها قدرهم, ويحاصرونك بالنظرات المريبة الفاجرة, ويتفرجون على الزمن يمر هازئا بهم كأنهم غير معنيين بهذا التخلف والجهل والأمية الفكرية التي تجعلنا في الحضيض, يبددون عمرهم في وجبات اللغو والثرثرة, لا يفكرون مطلقا في قراءة رواية شهيرة ومجلة متخصصة أو تعلم لغة إضافية. أول ما يشد انتباهك حينما تطأ قدماك دولة محترمة متحضرة هي العلاقة الرائعة التي تجمع الناس بمختلف أعمارهم بالكتب واختيارهم العفوي لفعل القراءة, وممارستهم لها في كل مكان, حتى داخل الميترو يمسكون المقبض بيد ويحملون الكتاب بأخرى.. في قاعات الانتظار, في الحدائق, على الشاطئ, على الأرصفة..لا يضيعون فرصة التعلم واكتساب المعارف وتطوير الوعي والتفكير وأسلوب النقاش وطرح القضايا الكبرى وتحليلها وإبداء الرأي فيها.. يلبسون على الموضة, يسمعون الموسيقى ويرقصون التيكتونيك لكنهم يقرؤون ويذهبون إلى السينما ويحضرون المحاضرات الفكرية والعلمية.. فهذا لا يمنع ذاك. نحن فقط نهتم بظاهر الأشياء ونتجاهل باطنها, لا تهمنا سوى القشور, فسلاحهم العلم والمعرفة والمنافسة وسلاحنا الجهل والحسد والتفاهة. فرق واضح وفاضح بين من يقرأ فعلا و بين من يتظاهر بذلك, بين من يخصص مبلغا محترما لحاجياته الإنسانية وبين من يخصص كل ميزانيته لحاجياته الحيوانية. لذلك هناك فروق جوهرية بين شعب متحضر وآخر متخلف وإن كنا، للأسف، ننتمي إلى الدرجة السفلى فلأن الستين سنتيما و0,29 لن تخلق المعجزة, كما أن أساليب التدريس و علاقة الآباء بالكتاب لن تخلق جيلا يعي معنى أن تنفرد بكتاب, وتحس الدهشة و المتعة التي تمنحها القراءة.. وستظل المكتبات بمقاعد فارغة باردة, لا قراء يدفئونها, وستنسج العناكب خيوطها الرقيقة حول الكتب.. تلفها وتحميها.. في انتظار قارئ.

الأربعاء، 18 مارس 2009

عزلة اختيارية

أينما تجول بنظرك تجد الناس يعانقون الحاسوب كأنه قدرهم, في البيوت والمطارات والمقاهي والقطارات والحدائق والمكاتب, لقد استطاع هذا الجهاز اللئيم أن يعبث بعقول الناس ويضمن له مكانا دائما قربهم.. أن يُعامَل بلطف كبير ويوضع في أنظف وأمن الأماكن, أن يُحمل ويُفتح برقة, ويمسح بليونة ويُستعمل بحذر مخافة أن يصيبه إغماء.. حينما انتبهت إلى أن الحاسوب أصبح يُحمل إلى المقهى ويحجز له مكان مقابل صاحبه, يحدثه ويناقشه ويحتسي كوب شاي معه, أدركت أن وجود هذا الجهاز أصبح مزعجا ومربكا وغامضا, فالناس لم يعودوا في حاجة إلى بعضهم, تخلّوا عن أصدقائهم وأقربائهم وأهلهم من أجل لحظة خيالية رفقة هذا الجهاز الذكي. حتى الأطفال قذفوا بلعبهم واستبدلوا تلك الرياضات واللعب الجماعية المسلية التي تجعلهم يستمتعون رفقة الصغار واختاروا الجلوس لساعات طوال أمامه, لم تعد المساحات الشاسعة تغريهم, أصبح لهم أصدقاء وهميون وأبطال خارقون يأخذونهم بعيدا وهم جالسون وحيدين بغرفهم.. أصبح الناس يعيشون عزلة اختيارية رفقة هذا الجهاز الساحر, علاقة غريبة تربطهم به وتجعلهم يغوصون داخله لساعات دون أن يشعروا بمضي الزمن, أطفال يسارعون إلى معانقته لا يبعدهم عنه جوع أو عطش أو زائر.. عماذا يبحثون؟ ماذا يلاحقون؟ ماذا يفتقدون؟ أيتعقبون حلما ما أم إحساسا لم يجدوه على أرض الواقع..؟ هناك من يفتح الحاسوب و يشغّل أزراره كي يبعث الحياة بداخله حتى قبل أن تسري بكيانه, ينظر إلى شاشته قبل أن يلقي تحية الصباح على أقرب الناس إليه, ينشغل به عن العالم كله.. لأنه عالمه الوحيد, يلاطفه ويجامله ويتناول قهوة الصباح رفقته, غارقين لوحديهما في صمت رهيب. هؤلاء الذين يختارون الجلوس رفقة كراس باردة وحاسوب صامت, يسافرون من خلاله ويحبون ويكرهون ويحلمون ويلهون ويضحكون ويبكون ويتحدثون..يحيون داخل غرف خيالية ومدن مفبركة وعلاقات غامضة وأحاسيس مزيفة, كلما ازدادوا غوصا في عوالم الحاسوب ازدادت الهوة بينهم وبين واقعهم وحياتهم وأقربائهم.. وبين الصغار وآبائهم. لست ضد هذا الجهاز القوي, لا أقاطعه بل أستفيد من خدماته لكنني أحذره ولا أتركه يسلبني وقتي وحريتي وأحلامي التي أرغب أن أحققها في فضاءات خارجية حقيقية و ليس داخل عوالم وهمية, لا أرغب أن تغادرني بهجة الحياة وتسكنني الوحدة, أحب أن أترك الأبواب مواربة لأنظر منها إلى الخارج, لأسمع الأصوات وأشم الروائح وأحس بنبض الحياة.. لا أقفلها أبدا.. فوحدها القبور تقفل على أصحابها.. أشياء كثيرة تغيرت بيننا, تفاقم الإحساس بالوحدة والضجر وبلا جدوى الحياة المشتركة, أصبح الناس كطيور ضائعة منطوين على أنفسهم يعيشون وحدة قاسية. والعيب ليس في هذه الأجهزة المغرية التي غزت وجودنا, بل في أننا عوض أن نتحكم فيها سيطرت علينا واستحوذت على تفكيرنا واستولت على وقتنا, أصبحنا عبيدها تحركنا كالدمى, تسحبنا بخيوط لا مرئية تتلاعب بنا وتعدنا بسعادة لا بديل لها وتفرض علينا عزلة جبرية نظنها اختيارية.